متى يحكم على الصبي بالقصاص

جنائي متى يحكم على الصبي بالقصاص

 رأي الفقه الإسلامي في مسألة توقيع عقوبة الإعدام ( القصاص ) على الصبي البالغ دون الثامنة عشر وهل المادة 111 من قانون الطفل المصري دستورية ولا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية 

بداية نوضح أن المسائل المتعلقة بجرائم الحدود لا يحكمها (نصوص نظامية ) إلا فيما يتعلق فقط (بإجراءات المحاكمة ) وهنا يطبق عليها نصوص نظام الإجراءات الجزائية أما من حيث القواعد الموضوعية فتطبق فيها أحكام التشريع الجنائي الإسلامي الواردة في كتب الفقه الحنبلي وهي ( كشاف القناع ، الروض المربع ، شرح منتهى الإرادات وغيرها من كتب الفقه الحنبلي وتتساوي جميعها في الحكم  )
ومسألة الاستشارة تدور حول رأي الفقه الإسلامي في مسألة توقيع عقوبة الإعدام ( القصاص – القود) على الصبي البالغ دون الثامنة عشر ، لذلك فإن الرد على الاستشارة يشمل مناقشة ثلاثة مسائل ترتيبها على النحو التالي:
  1. رأي الفقه الإسلامي في السن المعتبر للبلوغ أو متى يحكم ببلوغ (الصبي)
  2. مسألة حكم الصبي الغير بالغ إذا قتل  
  3. مسألة حكم الصبي البالغ إذا قتل
  4. الوضع في المملكة العربية السعودية
  5. مخالفة نص المادة (111) من قانون الطفل لأحكام الشريعة الإسلامية
أولاً : رأي الفقه الإسلامي في السن المعتبر أو متى يحكم ببلوغ (الصبي )  
لا خلاف بين الفقهاء في أن للبلوغ سن معينة ولكنهم اختلفوا في تحديد هذه السن ، وذلك على النحو التالي
الرأي الأول :-   ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنه إذ لم توجد علامة من علامـات  البلـوغ فإن الذكر يكون بالغا إذا أتم ثمان عشرة سنة  وممن ذهب إلى هذا الحنفية ، والمالكية في المشهور0
الرأي الثاني :-  ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن البلوغ يحصل ببلوغ الصبي خمس عشرة سنة 0
وممن ذهب إلى هذا المالكية في رواية والشافعية والحنابلة و الزيدية و الإمامية
الرأي الثالث :-    ذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن البلوغ يحصل ببلوغ الصبي تسع عشرة سنة 0
وممن ذهب إلى هذا أبو حنيفة في رواية، وبعض المالكية، والظاهرية
وجمهور الفقهاء يأخذ بالرأي الثاني أن البلوغ يحصل ببلوغ الشخص خمس عشرة سنة لقوة أدلتهم ، ولأنه الشائع والغالب ، كما أن هذه السن هي التي يمكن أن يحصل فيها إنزال من الصبي ، أو إنبات للشعر ، ومن ثم فتكون هي سن البلوغ 0
كما ذهب أصحاب الرأي الثاني إلى أن الإنبات ( شعر العانة)  يحصل به البلوغ وممن ذهب إلى هذا المالكية في المشهور والشافعية في قـول والمشهور عند الحنابلة ، والزبدية والإمامية
قال ابن قدامه:  أولها - أي: علامات البلوغ - خروج المني من قبله، وَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، فَكَيْفَمَا خَرَجَ فِي يَقَظَةٍ، أَوْ مَنَامٍ، بِجِمَاعِ، أَوْ احْتِلَامٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، حَصَلَ بِهِ الْبُلُوغُ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فليستأذنوا.. انتهى.
قال ابن قدامة في المغني: وأما الإنبات فهو أن ينبت الشعر الخشن حول ذكر الرجل، أو فرج المرأة الذي استحق أخذه بالموسى، وأما الزغب الضعيف فلا اعتبار به، فإنه يثبت في حق الصغير .اهـ.
والصحيح كما سبق القول ما ذهب إليه الإمام أحمد و الشافعي وطائفة من أهل الحديث -رحمة الله على الجميع- من أن خمس عشرة سنة هي السن التي يفرق فيها ويحكم فيها بالبلوغ، وأنه إذا بلغ الصبي أو الصبية خمس عشرة سنة ولم ير علامة البلوغ قبل ذلك؛ فإنه يُحكم ببلوغهم بخمس عشرة سنة للحديث الذي ذكرناه، فإنه نص في موضع النزاع.
 
ثانياً : حكم الصبي الغير بالغ إذا قتل أو اشترك في القتل
 قال ابن قدامه رحمه الله : " ( والطفل , والزائل العقل , لا يقتلان بأحد ) لا خلاف بين أهل العلم أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون , وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه , مثل النائم , والمغمى عليه , ونحوهما ، والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( رفع القلم عن ثلاثة ; عن الصبي حتى يبلغ , وعن النائم حتى يستيقظ , وعن المجنون حتى يفيق ، ولأن القصاص عقوبة مغلظة , فلم تجب على الصبي وزائل العقل كالحدود , ولأنهم ليس لهم قصد صحيح , فهم كالقاتل خطأ " انتهى من "المغني" (8/ 226) فحكم الصبي الغير بالغ أنه تجب عليه الدية إذا قتل أو اشترك في القتل ولا يوجب عليه القصاص .
 
ثالثاً : حكم الصبي البالغ إذا قتل أو اشترك في القتل
أجمع العلماء على مشروعية القصاص في القتل العمد إذا توفرت شروطه ؛ لقوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى وقوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وهذا في شريعة التوراة ، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه ، وقال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ولا يستحق ولي القتيل القصاص إلا بتوفر شروط أربعة :
  1. عصمة المقتول ؛ بأن لا يكون مهدر الدم ؛ لأن القصاص شرع لحقن الدماء ، ومهدر الدم غير محقون ، فلو قتل مسلم كافرا حربيا أو مرتدا قبل توبته أو قتل زانيا ؛ لم يضمنه بقصاص، ولا دية ، لكنه يعزر لافتياته على الحاكم .
  2. أن يكون القاتل بالغا عاقلا ؛ لأن القصاص عقوبة مغلظة، لا يجوز إيقاعها على الصغير والمجنون ؛ لعدم وجود القصد منهما ، أو لأنه ليس لهما مقصود صحيح؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق
    قال الإمام موفق الدين ابن قدامة : " لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا قصاص على صبي ولا مجنون ، وكذلك كل زائل العقل بسبب يعذر فيه ؛ كالنائم والمغمى عليه " .
  3. المكافأة بين المقتول وقاتله حال جنايته ؛ بأن يساويه في الدين والحرية والرق ؛ فلا يكون القاتل أفضل من المقتول بسلام أو حرية : - فلا يقتل مسلم بكافر ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : ولا يقتل مسلم بكافر رواه البخاري وأبو داود .- ولا يقتل حر بعبد ؛ لما رواه أحمد عن علي رضي الله عنه : " من السنة أن لا يقتل حر بعبد " ولأن المجني عليه إذا لم يكن مساويا للقاتل فيما ذكر ؛ كان أخذه به أخذا لأكثر من الحق . ولا يؤثر التفاضل بين الجاني والمجني عليه في غير ما ذكر ، فيقتل الجميل بالدميم ، والشريف بضده ، والكبير بالصغير ، ويقتل الذكر بالأنثى ، والصحيح بالمجنون والمعتوه ؛ لعموم قوله تعالى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وقوله تعالى : الْحُرُّ بِالْحُرِّ
  4. عدم الولادة ، بأن لا يكون المقتول ولدا للقاتل ولا لابنه وإن سفل ، ولا لبنته وإن سفلت ؛ فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا بالولد وإن سفل ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : لا يقتل والد بولده . قال ابن عبد البر : " هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم ... انتهى  وبهذا الحديث ونحوه تخص العمومات الواردة بوجوب القصاص، وهو قول جمهور أهل العلم . يقتل الولد بكل من الأبوين ؛ لعموم قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى وإنما خص منه الوالد إذا قتل ولده بالدليل . فإذا توافرت هذه الشروط الأربعة ؛ استحق أولياء القتيل القصاص .
رابعاً : الوضع في المملكة العربية السعودية
فيما يتعلق بالوضع في المملكة وحيث أن المملكة تعتمد تطبيق أحكام المذهب الحنبلي في الحدود والقصاص فإن سن البلوغ في المملكة الذي يوجب توقيع حد القتل هو ( 15 سنة ) فإذا كان المتهم بالقتل هو في سن ( 15) من عمره أو ممكن يكون أقل من ذلك (12 سنة ) مثلاً تقوم المحكمة بعرضه على لجنة طبية متخصصة للتأكد من كون ( بالغ ) أو غير بالغ إذا ما كان دون سن الــ ( 15 ) سنة فإن ظهر لها بموج بالتقرير الطبي أنه بلغ ( حكم عليه بالقصاص ) وإن ظهر أنه ليس (بالغ ) حكم عليه بالدية .
أما عن الإجراءات الشكلية الخاصة بالتنفيذ ففي مصر يعرض الأمر على (المفتي ) وفي المملكة يجب أن يعرض الأمر للتدقيق على (المحكمة العليا ) حيث من ضمن اختصاصات المحكمة العليا بالمملكة وهى تعادل في مصر (محكمة النقض ) مراجعة قضايا الحدود "القتل أو القطع أو الرجم أو القصاص في النفس أو فيما دون النفس". وفي هذه الحالة فإن المحكمة تباشر عملها بوصفها محكمة موضوع وليست محكمة تطبيق للنظام ، وعليها أن تتبع ذات الإجراءات   التي تتبعها محكمة الموضوع بحسب نوع الدعوى ، فتنظرها بذات  الطريقة ، وفي ذات الحدود ، ويكون لها التصدي لمتهمين غير من أقيمت الدعوى عليهم ، أو لوقائع أخرى غير المسندة إليهم  لكن اختصاص المحكمة العليا في هذا الشأن لا يغير من القاعدة الأصلية وهي إيقاع حد القصاص ( الإعدام ) على الصبي القاتل والذي بلغ عمرة (15 سنة ) 
وتعرض المحكمة العليا للموضوع في قضايا الحدود وجوبي لا جوازي. ويشترط فيه أن يكون الحكم الذي قبلت الطعن  فيه  بين الخصوم أنفسهم وعن التهمة ذاتها . فالنظام قد أوجب إجراء محاكمة  ثالثة بمعرفة  المحكمة العليا في قضايا الحدود "القتل أو القطع أو الرجم أو القصاص في النفس أو فيما دون النفس".
بالبناء على ما تقدم فإن الفقه الإسلامي لم يشترط سناً معيناً في القتل بل اشترط فقط ( البلوغ )


خامساً : مخالفة نص المادة (111) من قانون الطفل لأحكام الشريعة الإسلامية
الرأي القانوني حول الطعن بعدم دستورية نص المادة (111) من قانون الطفل المصري لمخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية .
بإسقاط النصوص الشرعية وآراء جمهور الفقهاء  على نص المادة ( 111) من قانون الطفل المصري رقم12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008م والذي حظر في المادة سالفة الذكر الحكم على من لم يبلغ سن الثامنة عشر بالإعدام قد أخذ برأي المذهب الحنفي في تحديد عمر (البلوغ ) والذي يرى أن سن البلوغ هو (18 سنة) ونص المادة والحال كذلك يخالف مقتضي رأي جمهور  الفقهاء ويخالف رأي الحنفية أنفسهم لأن (الحنفية ) عندما قالوا بهذا الرأي اشترطوا عدم ظهور علامة من علامات البلوغ بقولهم " أنه إذ لم توجد علامة من علامـات  البلـوغ فإن الذكر يكون بالغا إذا أتم ثمان عشرة سنة " وعليه فإن المادة( 111) تكون مخالفة لأحكام الشرعية الإسلامية على وجهين :
  1. الوجه الأول لأنها خالفت ما استقر عليه جمهور الفقهاء من أن سن البلوغ هو ( 15 سنة) للصبي والبنت سواء ظهرت عليهم علامات البلوغ أم لم تظهر.
  2. الوجه الثاني أن المادة وإن كانت قد أخذت برأي الحنابلة في تحديد سن البلوغ ب( 18 سنة ) إلا أنها لم تورد الشرط الذي أورده الأحناف في رأيهم وهو الانتقال للسن كوسيلة لمعرفة البلوغ إذا لم تظهر علاماته على الصبي ( خروج المني أو الإنبات )
ومن ثم فإن المادة يظهر عدم دستوريتها لهذه الأسباب