ضوابط اتفاق التحكيم وفقاً لنظام التحكيم السعودي

التحكيم ضوابط اتفاق التحكيم وفقاً لنظام التحكيم السعودي

نصت المادة الأولى من نظام التحكيم على أنه : تدل العبارات الآتية الواردة في هذا النظام على المعاني الموضحة أمامها، ما لم يقتض السيق خلاف ذلك: 1- اتفاق التحكيم: هو اتفاق بين طرفين أو أكثر على أن يحيلا إلى التحكيم جميع أو بعض المنازعات المحددة التى نشأت أو قد تنشأ بينهما فى شأن علاقة نظامية محددة، تعاقدية كانت أم غير تعاقدية، سواءً أكان اتفاق التحكيم فى صورة شرط تحكيم وارد فى عقد، أم فى صورة مشارطة تحكيم مستقلة.

فالتحكيم هو طريق الزامى بالنسبة لمن اختاره وتكون البداية هى اتفاق التحكيم والذى يعد حجر الزاوية فى عملية التحكيم ، فاتفاق التحكيم كغيره من سائر العقود التى لا تنعقد إلا بالرضا وبتوافر الأهلية ، فضلا عن ضرورة صياغته كتابياً وإلا كان باطلاً طبقا لنص المادة التاسعة من نظام التحكيم .

ولا يلزم فى هذا الشأن إبرام عقد تحكيم منفصلاً بل يمكن أن يأخذ الاتفاق صورة شرط تحكيم يتضمنه أى عقد من العقود ، فاتفاق التحكيم قد يرد كبند من بنود العقد المبرم بين الأطراف أو في ورقة ملحقة به تنص على التجائهم إلى التحكيم دون القضاء بشأن ما قد ينشب مستقبلاً حول العقد المبرم بينهم من منازعات ويسمى هذا الاتفاق "شرط التحكيم" وقد يتم الاتفاق على الالتجاء إلى التحكيم بعد أن يثور النزاع فعلاً ويسمى هذا الاتفاق فى هذه الحالة"مشارطة التحكيم"، وفى جميع الأحوال يجب أن يصاغ اتفاق التحكيم بشكل لا لبس فيه حتى لا يؤدى هذا إلى استحالة إعمال اتفاق التحكيم ، و لا فرق بين الصورتين من حيث إلزام من أرتبط وفقا لأيهما بالمضى فى طريق التحكيم عند إثارة النزاع .[1]

وبهذه الصفة الإلزامية يختلف التحكيم عن غيره من الصور كالصلح أو التوفيق حيث أن الاتفاق على مبدأ التحكيم يقيد الأطراف فلا يملك أي منهما أن يعدل عنه ، فمن أقدم عليه لا يملك التراجع عنه ، فيُلزم بالسير فيه حتى نهايته ، أما الاتفاق على مبدأ الصلح أو التوفيق فليس ملزماً لأي منهما إذ يملك أي منهما الالتجاء إلى القضاء لحل النزاع رغم الاتفاق دون تثريب عليه ، وذلك عكس مبدأ التحكيم إذ يمتنع على الأطراف الذين اتفقوا عليه اللجوء إلى القضاء ، فقد نصت المادة (11) من نظام التحكيم أنه "يجب على المحكمة التى يرفع إليها نزاع يوجد في شأنه اتفاق تحكيم أن تحكم بعدم جواز نظر الدعوى إذا دفع المدعى عليه بذلك قبل أي طلب أو دفاع في الدعوى".

و لكي يتم الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم بالشكل الصحيح لابد من توافر بعض الشروط اللازمة لصحة هذا الاتفاق , حسب الشكل الذي حدده النظام , ونظراً لأهمية انعقاد اتفاق التحكيم بالشكل الصحيح فسنتناول في هذا المبحث الشروط اللازمة لصحة اتفاق التحكيم  , والشكل الذي حدده النظام لهذا الاتفاق .

اولاً : شروط اتفاق التحكيم :-

 أولاً : كتابية التحكيم :  يجب ان يكون اتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلاً حيث نصت المادة (9) من نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 بتاريخ 24/5/1433هـ على أن "

 1_ يجوز أن يكون اتفاق التحكيم سابقاً على قيام النزاع سواء أكان مستقلاً بذاته ، ام ورد فى عقد معين ، كما يجوز أن يكون اتفاق التحكيم لاحقاً لقيام النزاع ، وإن كانت قد أقيمت فى شأنه دعوي أمام المحكمة المختصة ، وفى هذه الحالة يجب أن يحدد الاتفاق المسائل التي يشملها التحكيم وإلا كان الاتفاق باطلاً

2- يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلاً

3- يكون اتفاق التحكيم مكتوباً إذا تضمنه محرر صادر من طرفي التحكيم ، أو إذا تضمنه ما تبادلاه من مراسلات موثقة ، أو برقيات ، أو غيرها من وسائل الاتصال الإلكترونية أو المكتوبة ، وتعد الإشارة فى عقد ما أو الإحالة فيه إلى مستند يشتمل على شرط للتحكيم ، بمثابة اتفاق تحكيم . كما يُعد فى حكم اتفاق التحكيم المكتوب كل إحالة فى العقد إلى أحكام عقد نموذجي ، أو اتفاقية دولية ، أو أي وثيقة أُخرى تتضمن شرط تحكيم إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد "

يشير النص بدلالة ألفاظه إلى وجوب أن يكون التحكيم فى شكل مكتوب أو فى سند كتابي , ولا يكتفي بمجرد الادعاء به دون اى دعائم مكتوبة تدل على وجوده بين الأطراف المتنازعة ، ويترتب على مخالفة هذا الشرط الشكلي بطلان التحكيم لانعدام سنده الكتابي ، أما عن صور السند الكتابي لاتفاق التحكيم فقد عدده المنظم ما بين أن يكون فى شرط ضمن شروط العقد الذي يثور النزاع بصدده أو ان يكون فى هيئة مشارطة مستقله عن العقد ذاته ، كما يمكن أن يكتفى فى شأن كتابية التحكيم مجرد المراسلات الموثقة, أو البرقيات أو رسائل البريد الإلكتروني وغيرها من وسائل الاتصال الإلكتروني .

بالنسبة للغة المستخدمة أمام هيئة التحكيم ، فقد أعطي المنظم السعودي الحرية للأطراف في اختيار اللغة التي يرغبون بأن تكون لغة التحكيم ، حيث أشار في مادته (29) إلى هذا المعنى بقوله "1- يجرى التحكيم باللغة العربية ما لم تقرر هيئة التحكيم أو يتفق طرفا التحكيم على لغة أو لغات أخرى ويسرى حكم الاتفاق أو القرار على لغة البيانات والمذكرات المكتوبة ، والمرافعات الشفهية ، وكذلك على كل قرار تتخذه هيئة التحكيم ، أو رسالة توجهها أو حكم تصدره ما لم ينص اتفاق الطرفين أو قرار هيئة التحكيم على غير ذلك.  2- لهيئة التحكيم أن تقرر أن يرافق كل الوثائق المكتوبة أو بعضها التي تقدم في الدعوى ترجمة إلى اللغة أو اللغات المستعملة في التحكيم.وفى حالة تعدد هذه اللغات يجوز للهيئة قصر الترجمة على بعضها."  

كما يمكن أن يكون دليلا على كتابية التحكيم الإحالة فى العقد الذي يثور النزاع بشأنه الى أحكام عقد نموذجي, أو اتفاقية دولية من معاهدات ومذكرات التفاهم الدولية, أو لائحة مراكز التحكيم الدائمة او غيرها. او الإحالة أو الإشارة الى أي وثيقة تحتوي على شرط للتحكيم ، ولكن الاحالة بالتحكيم مشروطة بشرطين كما يلي : _

الشرط الأول -: أن تكون الإحالة واضحة لا لبس فيها .

الشرط الثاني -:أن يكون المستند المحال إليه جزء من العقد محل النزاع .

و يلاحظ أن المنظم السعودي قد أوجب لإثبات وجود التحكيم أن يكون فى سند مكتوب سواء صراحة أو ضمناً شريطة أن يكون هذا السند أو الدعامة المكتوبة جزءاً من العقد محل النزاع ، ثم عدد المنظم صور السند الكتابي الذي قد يكون في صلب العقد أو يكون في مشارطه مستقلة عن العقد ذاته, ولكنه جزء منه كما سبق القول وحسُن فعل المنظم عندما جعل من المراسلات المكتوبة عن طريق البريد, أو الوسائل الإلكترونية, دليلاً على وجودية التحكيم ، هذه الوجودية المكتوبة التي لا يعتد بها قانوناً إلا بصدورها عن تراضى بين أطرافها الذين لابد من توافر شرط الأهلية في جانبهم وهو ما تناولته المادة العاشرة من نظام التحكيم السعودي الجديد

استقلالية شرط التحكيم في نظام التحكيم السعودي

تطرق نظام التحكيم السعودي إلى استقلال شرط التحكيم عن بقية العقد طالما قد جاء الشرط صحيحا في ذاته، ولا يتأثر ببطلان العقد أو فسخه أو إنهائه، وذلك حيث نصت المادة (21) منه على أنه "يعد شرط التحكيم الوارد في احد العقود اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى ولا يترتب على بطلان العقد-الذي يتضمن شرط التحكيم-أو فسخه أو إنهائه بطلان شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحا في ذاته". و يُستنبط بدلالة النص وبما ورد به من ألفاظ أن شرط التحكيم يعتبر مستقلاً بذاته عن العقد الذي يتضمنه ،حتى لو كان الأخير باطلاً ، أي أنه لا ارتباط بين كل من صحة العقد وشرط التحكيم المدرج به ، فلا يُحتج أمام هيئة التحكيم ببطلان العقد مادام صحيحاً فى ذاته مستوفياً لأركانه وشروطه الشكلية التي نص عليها النظام  ، وقد أقر المنظم السعودي مبدأ استقلالية اتفاق التحكيم ، حيث أنّ هذا المبدأ يتضح وجوده فى حالة إدراج بند في عقد ما يشترط اللجوء الى التحكيم ، او بمعنى أخر عندما يكون الاتفاق على التحكيم فى صورة شرط ضمن شروط عقد ما ، هنا تثور مسألة الاستقلالية ، والتي تخرج باتفاق التحكيم عن دائرة بطلان العقد فى حالة وجود أحد مسببات بطلانه ، حيث أن كلاً منهما مستقلاً بذاته عن الاخر ، ولا يؤثر بطلان العقد على صحة اتفاق التحكيم ، ويُحسب للمنظم السعودي نهجه فى إِفراد نص خاص يقضي باستقلالية شرط التحكيم على خلاف بعض التشريعات العربية التى لم تتعرض له صراحة مثل التشريع الجزائري والمغربي وأيضا القانون الليبي.

ثانياً : مكان التحكيم

نصت المادة (28) من نظام التحكيم على أنه "  لطرفى التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم فى المملكة أو خارجها، فإذا لم يوجد اتفاق عينت هيئة التحكيم مكان التحكيم مع مراعاة ظروف الدعوى، وملاءمة المكان لطرفيها، ولا يخل ذلك بسلطة هيئة التحكيم فى أن تجتمع فى أى مكان تراه مناسبا للمداولة بين أعضائها، ولسماع أقوال الشهود، أو الخبراء، أو طرفى النزاع، أو لمعانية محل النزاع، أو الفحص المستندات، أو الاطلاع عليها " و اختيار مكان (أو "مقر") التحكيم يتضمن اعتبارات عملية واضحة منها الحيادية وتوفر تسهيلات خاصة بالجلسة وقرب الشهود والأدلّة ومعرفة الأطراف باللغة والثقافة ورغبة المحكمين المؤهلين في المشاركة بالإجراءات في ذلك المكان .

وقد يؤثر مكان التحكيم أيضا على الصفات الواجب توفرها بالمحكمين خصوصاً إن لم يتم تعيينه من قبل الأطراف إلا أن الملائمة يجب أن لا تكون العنصر الحاسم ،حيث أنه بموجب غالبية القواعد لهيئة التحكيم حرية الاجتماع وعقد الجلسات في أماكن مختلفة عن مكان التحكيم المختار ومكان التحكيم هو الموطن القانوني للتحكيم.

وكقاعدة عامة ، على الأطراف اختيار مكان التحكيم وفي كل الأحوال يبقى اتفاق التحكيم نافذاً حتى وإن لم يحدد مكان التحكيم وإن كان ذلك غير محبذاً لذلك على الأطراف تحديد "مكان التحكيم" بدلاً من تحديد مكان "الجلسات" إذ أن تحديد مكان الجلسات فقط من شأنه أن يبقي مسألة مكان التحكيم لغايات القوانين والمعاهدات المطبقة غير محسومة . إضافةً إلى ذلك، فإن تحديد مكان الجلسات في اتفاق التحكيم من شأنه أن يحرم المحكمين من المرونة المطلوبة بعقد الجلسات في أماكن أخرى حسب الحاجة [2]

ثالثاً  : الأهلية الكاملة لأطراف اتفاق التحكيم

من الشروط الشكلية اللازمة لصحة وجودية اتفاق التحكيم أن يتمتع أطرافه بالأهلية الكاملة, هو القدرة على التصرف الكامل فى الحقوق وإجراء كافة التصرفات القانونية حيالها سواء بشكل سلبي أو إيجابي و تنص المادة (10) من نظام التحكيم السعودي الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 بتاريخ 24/5/1433هـ على أنه :-

"فقرة 1: لا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممن يملك التصرف فى حقوقه سواء أكان شخصاً طبيعياً أو من يمثله  أم شخصاً اعتبارياً .

فقرة 2 : لا يجوز للهيئات الحكومية الاتفاق على التحكيم إلا بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء ، ما لم يرد نص نظامي خاص يجيز ذلك "

 وهنا أورد النص حكمان نظاميان هما:-

·         الحكم الأول : لا يشترط الأهلية فى الشخص الطبيعي وحسب , إنما يمتد الشرط بمظلته ليشمل وكيله الخاص الذي قد يبرم اتفاقا على التحكيم ، فقد اشترط نظام التحكيم السعودي الأهلية فى كل من الطرف الأصلي فى التحكيم ووكيله .

·         الحكم الثاني : لما كانت الجهات الحكومية ذات شخصية قانونية اعتبارية بموجب نصوص النظام, ويحق لها إجراء ما تشاء من تصرفات قانونية أو نظامية ، إلا أن المنظم قد اشترط هنا موافقة رئيس مجلس الوزراء ، حيث تعد هذه الموافقة بمثابة الاعتراف بالأهلية النظامية للجهة الحكومية التى أبرمت اتفاق التحكيم, ويقوم انعدام هذه الموافقة مقام الأهلية الناقصة والتى يكون معها اتفاق التحكيم باطلاً .

بما ان اتفاق التحكيم يعتبر عقداً لابد ان تلتقي فيه إرادة المتعاقدين على إحالة النزاع الناشئ عن العقد المبرم بينهما او أي نزاع قد ينشأ بخصوص هذا العقد , على شخص معين او أشخاص معينين ليفصلوا فيه دون اللجوء إلى القضاء المختص اصلاً بالفصل في هذا النزاع , فلابد ان يتوافر فيه عدد من الشروط الموضوعية التي يتطلبها القانون مثله مثل سائر العقود , وهذه الشروط هي :-

  1. الرضا 
  2. المحل 
  3. السبب 
  4. الأهلية 

كما أن هناك شرطاً شكلياً هو الكتابة , وهو ما اختلفت قوانين التحكيم في كثير من الدول على مدى وجوب توافره كشرط لازم لصحة اتفاق التحكيم , وسنرى فيما يلي الشروط اللازمة لصحة اتفاق التحكيم , وموقف نظام التحكيم السعودي ولائحته التنفيذية منها سواء النظام القديم ام النظام الجديد .

  1.  الرضا

 اتفاق التحكيم عقد رضائي يكفي لانعقاده تراضي أطراف الخصومه على اللجوء إلى التحكيم للفصل في النزاع الحاصل بينهم , فالتراضي وحده هو الذي يكون العقد ويعتبر عند جمهور فقهاء المسلمين ركنا من اركان العقد لا يصح بدونه [3].

ويتم التراضي بارتباط وتطابق إيجاب وقبول اطراف الخصومة على اللجوء إلى التحكيم :

وقد عرف فقهاء الحنفية الإيجاب بأنه ما صدر أولاً من احد العاقدين, كما عرفوا القبول بأنه ما صدر من العاقد الآخر[4] .

وبمعنى آخر فإن الايجاب هو العرض الصادر من احد الفريقين لإنشاء العلاقة الإلزامية , اما القبول فهو الموافقة على هذا العرض الصادر من الفريق الآخر , فالقبول والإيجاب ركنان يمثل كل واحد منهما شرطاً للرضا ويعد جزءاً منه لا يصح الرضا بدونهما , وبالتإلى لابد من تعلق احدهما بالآخر لتمام انعقاد العقد , وبناء عليه فإن وجود الإيجاب وحده لا يكفي لإنشاء الالتزام فالموجب له الخيار دائما في الرجوع عن إيجابه قبل ان يتعلق به القبول كذلك من وجه له الإيجاب مخير بقبول العرض او رفضه .

وبناء على ما تقدم ينعقد التحكيم بمجرد صدور إيجاب وقبول اطراف الخصومة على اللجوء إليه وتعلق احدهما بالآخر بشكل نافي للجهالة , لذا يشترط لصحة صدور الإيجاب والقبول ان يتم التعبير بهما عن إرادة الموجب والقابل بشكل صحيح , ولا يعتد بالتعبير الضمني في هذا الخصوص , ويكون التعبير عن الإرادة صريحاً إذا كان المظهر الذي اتخذه هذا التعبير مخصصا للكشف عن هذه الارادة بطريقة صريحة وواضحة و مألوفة بين الناس , والتعبير الصريح قد يتم عن طريق الكلام ويكون ذلك بالتلفظ بالإيجاب والقبول , كما قد يتم عن طريق الكتابة .

كما قد يكون التعبير عن الارادة ضمنياً إذا كان المظهر الذي اتخذه هذا التعبير غير مخصص للكشف عن هذه الإرادة , ولكن لا يمكن تفسيره دون افتراض وجودها .

فالتحكيم من المسائل المهمة التي يجدر بالمتعاقدين التنبه لها وإدراك مغزاها وهو تنازلهم المؤقت بصفة عامة عن حقهم في اللجوء إلى القضاء العادي الذي لا يتدخل في النزاع المعروض على التحكيم إلا في الحالات التي حددها المنظم فالتعبير الصريح عن الإرادة مطلوب في هذا الخصوص من اجل تنبيه المتعاقدين لأهمية ما هم مقبلون عليه من امر وبالتإلى لا يتخذون قرارهم إلا بعد تروٍ وتفكير عميقين صادرين من إرادة واضحة وصريحة ويفترض عند وجود مثل هذه الإرادة ان تكون خإلىة من العيوب التي قد تشوبها وتؤثر عليها وبالتإلى تؤثر على سلامة الرضا وتجعله غير صحيح وتؤدي بالتإلى إلى بطلان العقد بطلانا مطلقا او نسبيا يتمسك به من شاب رضاه احد هذه العيوب وهي الغلط او التدليس او الإكراه .[5]

كما يشترط لصحة الرضا أن يصدر القبول قبل سقوط الايجاب ويسقط الايجاب برجوع الموجب عما عرضه قبل قبول الطرف الاخر وقد يكون هذا الرجوع ضمنياً كما لو صدر من الموجب تصرف أو فعل يعكس تراجعه كأن يتجه إلى القضاء لحل النزاع , كما قد يكون هذا الرجوع صريحاً كما لو عرض الموجب اللجوء على التحكيم ثم رجع عن إيجابه صراحة قبل قبول الطرف الآخر أو كان يعرض الموجب الاحتكام إلى شخص معين وقبل صدور القبول من الطرف الآخر يعين شخصاً آخر , فالتعيين الأخير يعتبر إيجاباً جديدا يلغي الإيجاب الأول ويجعله كأن لم يكن , وإذا قبل الطرف الآخر فإن قبوله يعتبر وارداً على الإيجاب الثاني وهذا ما أقره جمهور الفقهاء [6] .

كما يسقط الايجاب بفقدان الموجب لأهليته قبل حصول القبول وذلك كأن يتوفى أو يصاب بالجنون ففي هذه الحالة يبطل الإيجاب حتى لو صدر القبول بعد ذلك من الطرف الآخر .

ويشترط أيضاً لصحة الرضا ان يكون القبول موافقا للإيجاب ومطابقا له والأصل ان يطابق القبول الإيجاب مطابقة تامة , لكي يتم العقد بتلاقي إرادتيهما واتجاههما إلى شيء واحد , وذلك كأن يعرض أحد اطراف الخصومة على الطرف الآخر اللجوء على التحكيم ويحدد في هذا العرض موضوع النزاع واسم المحكم والفترة التي يجب ان يتم فيها التحكيم ومكانه , ويقبل الطرف الآخر كل ما عرضه عليه خصمه من دون قيد أو شرط ويترك تقدير مطابقة القبول للإيجاب لقاضي الموضوع في حالة الاختلاف , وقد يحدث أن يتم قبول بعض الإيجاب دون البعض الآخر , وفي هذه الحالة يجب التفرقة بين حالة كون الإيجاب يقبل التجزئة أو لا يقبلها , فإذا كان الإيجاب يقبل التجزئة وتبين ان القبول قد انصب على عناصر العقد الجوهرية ,كقبول مبدأ اللجوء إلى التحكيم في النزاع المحدد في الإيجاب وقبول نفس المحكم الذي اقترحه الموجب في إيجابه , ولم يتطرق لبعض المسائل التفصيلية او الثانوية التي لا تؤثر على وقف التعاقد ولا تعرقله فإن العقد يتم بهذا القبول الجزئي ويترك تقدير المسائل التي لم يتفق عليها للقانون ينظمها , وإذا لم توجد نصوص قانونية تحكم مثل تلك المسائل يترك للقاضي حرية تقديرها طبقاً للعرف والعادات وأحكام العدالة وما جرى عليه التعامل .[7] اما إذا تبين من نية الموجب او من طبيعة التعامل ان الإيجاب لا يقبل التجزئة ففي هذه الحالة لا يمكن الاعتداد بالقبول الجزئي .

و اخيراً يشترط لصحة الرضا أن يصدر القبول متزامنا مع الإيجاب , وقد يصدر الإيجاب والقبول في وقت واحد فتتوافق ارادتان ويتم العقد ,كما قد يصدر القبول بعد الإيجاب فيقترن به وهذا هو الغالب وفي هذه الحالة يجب ان يصدر القبول خلال مدة يكون فيها الإيجاب قائماً حتى تقترن الإرادتان بعضهما البعض  ,فإذا عرض احد اطراف الخصومة على الطرف الآخر اللجوء إلى التحكيم وعلق هذا العرض على قبوله خلال فترة زمنية محددة من قبل الطرف الآخر , فلا بد ان يتم القبول خلال تلك المدة المحددة وليس هناك مجال لإلزام الموجب بما صدر منه ,ولكن له أن يعتبر هذا القبول المتأخر إيجاباً جديداً ينشىء العقد إذا قام بقبوله  .

2-  المحل  

  يمكن تعريف المحل في العقد بأنه الشيء الذي يلتزم المدين بالقيام به ،و هذا الالتزام قد يكون نقلا لحق عيني او القيام بعمل او الامتناع عن عمل , وهو باختصار جواب من يسأل :بماذا التزم المدين ؟[8]

وقد عرف الفقهاء محل العقد بأنه ما كان التعاقد بخصوصه وواقعاً عليه والمحل بهذا المفهوم لا يخرج عن كونه مالا معيناً كمنزل او بضائع او ان يكون منفعة ما كسكنى الدار وركوب الدابة أو منفعة ما ليس بمال كالمنفعة المترتبة على عقد الزواج او عملاً كعمل المهندس والمعلم والطبيب والمحامي , ويجب في كل الأحوال أن يكون المحل قابلاً للتعاقد شرعاً [9].

وبناء عليه فالمحل في عقد التحكيم هو فض النزاع بين المتخاصمين من قبل شخص او اشخاص معينين يتم اختيارهم من قبل المتعاقدين دون اللجوء إلى القضاء المختص اصلاً بالفصل في هذا النزاع ويستوجب ذلك تنازل أطراف الخصومة المؤقت عن حقهم في اللجوء إلى القضاء العادي لحل النزاع الحاصل بينهم , وعرض هذا النزاع على شخص او شخصين او اشخاص معينين وهو بهذا الشكل منفعة ما ليس بمال مترتبة على عقد التحكيم المبرم بين اطراف الخصومة .

والمحل في عقد التحكيم يكون دائماً مشروعا لمشروعية التحكيم في الشريعة الاسلامية [10], إلا ان هذه المشروعية مقيدة بموضوع النزاع الدائر بين الأطراف , فإذا كان موضوع النزاع من المسائل التي لا يجوز فيها التحكيم ,كما سبق وان رأينا , فليس من الممكن إجبار أحد الخصوم على تنفيذ حكم التحكيم , حتى لو أن الخصوم نفذوا عقد التحكيم فإن هذا التنفيذ يعتبر باطلاً و لا يمكن الاعتداد به ويجوز لكل ذي مصلحة ان يتمسك ببطلان الحكم الصادر من المحكمين في هذه الحالة ,فمشروعية محل التحكيم مرتبطة بطبيعة النزاع وما إذا كان هذا النزاع يدخل في نطاق المسائل التي يجوز فيها التحكيم ام لا [11] .

3- السبب

 هو الغرض المباشر المقصود من العقد, وهو بمعنى آخر جواب من يسأل لماذا التزم المدين ؟ [12] , ويكون السبب مشروعاً متى ما كان موجودا فالفقه التقليدي يجعل كل من المحل والسبب - بالإضافة إلى التراضي - من أركان العقد ، كذلك اعتبارهما من أركان العقد يمكن أن يؤخذ من تبويب القانون المدني السوري والمصري ، حيث عدد المشرع تحت عنوان أركان العقد : الرضا ، المحل ، السبب ، ولكنه عندما يتحدث عن المحل نراه يتحدث عن محل الالتزام ، وعندما تكلم عن السبب تكلم عن سبب الالتزام .

 لذلك ذهب البعض إلى القول بأن للعقد محل وسبب وللالتزام محل و سبب، وذهب جانب آخر من الفقه للقول أن المحل والسبب من أركان الالتزام.

وبناء على ذلك إذا كنا نعتبر التصرف القانوني إرادة دائماً فإن المحل والسبب عناصر في هذه الإرادة ، لأن الإرادة المعتبرة قانوناً هي التي تتجه إلى التعاقد وهي على بينة من المحل ومدركة للسبب ،ولهذا إذا كان المحل والسبب من عناصر الإرادة ، والإرادة أمر نفسي ، وبالتإلى فإن كل عنصر في الإرادة لا بد أن يكون نفسياً مثلها ، لذلك فإن المحل والسبب لا يمكن أن يكونا شيئاً خارجاً عن الإرادة ، وبالتإلى يصعب الفصل بينهما ، إذ لا جدوى من التمييز بين محتوى الإرادة بين المحل والسبب .

ولو أسقطنا هذا الكلام على اتفاق التحكيم ، لا يمكن لنا أن نقول أن محل اتفاق التحكيم هو موضوع النزاع ، أو هو إحالة النزاع بين الطرفين إلى التحكيم ، بل أن المحل في اتفاق التحكيم هو تصور حل النزاع القائم أو الذي سوف يقوم بين الطرفين عن طريق اللجوء إلى التحكيم, وتحديدنا لمحل وسبب اتفاق التحكيم على هذا النحو يستبعد اعتبار وجود السبب وصحته شرطاً في السبب ومن الأمثلة التي تساق على انعدام السبب:- شخص أكره على إبرام اتفاق تحكيم فإن هذا الاتفاق باطل ليس لانعدام السبب وإنما لوجود إكراه . شخص أبرم اتفاق تحكيم معتقداً أن هناك نزاع معين بينه وبين شخص آخر ثم تبين بأنه لا وجود لهذا النزاع فأساس البطلان ليس عدم صحة السبب ، وإنما الغلط الذي وقع فيه .

لهذا لا يوجد من شرط لمحتوى الإرادة ( المحل والسبب ) سوى شرط المشروعية ، إذ يترتب على عدم مشروعية محتوى الإرادة البطلان ، وعدم المشروعية تعني مخالفة التصرف القانوني للقواعد القانونية الآمرة إذ لا يجوز الاتفاق على خلافها ، والمعيار في تحديد القاعدة الآمرة هو النظام العام ، لذلك يمكن القول أن اتفاق التحكيم يعد اتفاقاً غير مشروع ،متى ما خالف القواعد الآمرة، لأن إرادة الأفراد تخالف إرادة المشرع، ولا بد عندئذ من تغليب إرادة المشرع

4-            الأهلية

أهلية التقاضي يقصد بها مدى صلاحية الشخص من الناحية النظامية لمباشرة إجراءات التقاضي أمام القضاء بكافة أنواعه والأصل أن كل شخص أهل للتعاقد يكون أهلاً لأن يكون مدعياً أو مدعى عليه، وتكمن أهمية الوقوف على أهلية التقاضى فى أن  المقرر بنص (المادة 4) من نظام المرافعات الشرعية هو أنه ": لا يقبل أي طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة مشروعة ، ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة  إذا كان الغرض من الطلب  الاحتياط لدفع ضرر محدق ،أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه وإذا ظهر للقاضي أن الدعوى صورية  كان عليه رفضها ، وله الحكم على المدعي بنكال .

و أهلية التقاضي بالنسبة للشخص الطبيعي هي بلوغه سن الرشد دون جنون أو عته وسن الرشد فى النظام السعودي ثمانية عشر سنة  و فى حالة كون الشخص قاصر ناقص الأهلية تكون أهلية التقاضى بالنسبة له الى الولى الطبيعى أوالوصى بحسب الأحوال وقد حدد نظام المرافعات الشرعية شروطاً لإقامة الدعوى القضائية

يتضح لنا لزوم توافر الأهلية في أطراف الدعوى التحكيمية كما هو الحال في الدعوى القضائية  فلا تقبل الدعوى القضائية من ناقص الأهلية أو ممن انعدمت صفته في الدعوى كذلك فإن الدعوى التحكيمية لها خصوصية عن الدعوى القضائية في هذا الشأن فإن كان شرط الأهلية شرطاً لقبول الدعوى في الدعوى القضائية إلا أن شرط الأهلية يجب أن يكون متوافر في أطراف الدعوى التحكيمية وقت إبرام اتفاق التحكيم وليس عند تحريك الدعوى فقط فإن عدم توافر أهلية المحتكم عند توقيع اتفاق التحكيم يبطل الاتفاق كذلك يبطل الحكم الصادر في الدعوى التحكيمية إذا كان اتفاق التحكيم باطلا أما فيما يتعلق بالدعوى القضائية فهي أيضاً تستوجب توافر أهلية المتقاضين اللازمة للتقاضي فالدعوى وسيلة نظامية يتوجه بها الشخص إلى القضاء لكي يتسنى له الحصول على تقرير حق أو حمايته ، ومن ثم فإن تعريف الدعوى يختلف عن التقاضي ، على أساس أن هذا الأخير يعد حقًا من الحقوق العامة اللصيقة بالشخصية يكفله النظام لكل الأشخاص دون تمييز بينهم ، ومن ثم لا يجوز التنازل عنه ولا ينقضي بعدم الاستعمال.

إعداد المحامي حسام العريان 

[1]  نقض مدنى 26 مارس 1981 مجموعة النقض لسنة 32 صفحة 953  محكمة النقض المصرية

[2] إرشادات نقابة المحامين الدولية حول صياغة بنود التحكيم الدولية ، تم اعتمادها بموجب قرار من مجلس نقابة المحامين الدولية في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2010

[3] د.قحطان الدوري :مرجع سابق ص(113) .

[4] كمال الدين الحنفي (فتح القدير ) الجزء الثاني , المكتبة التجارية الكبرى ,القاهرة 1356هــــــــ ص(244) .

[5] د.عبدالرزاق السنهوري (الوسيط في شرح القانون المدني ) ص(287) بدون دار طبعة أو سنة نشر نسخة قديمة

[6] د.منذر الفضل مرجع سابق ص(118 ) .

[7] د.عبدالمجيد الحكيم ,مرجع سابق ص(147 ) .

[8] د.عبدالرزاق السنهوري :مرجع سابق رقم (212) ص(375) .

[9] د.قحطان الدوري :مرجع سابق ص(159).

[10] د.قحطان الدوري :مرجع سابق ص(19)

[11] د.عبدالرزاق السنهوري :مرجع سابق رقم (413) .

[12] د.عبدالرزاق السنهوري :مرجع سابق رقم (31) .