تشكيل هيئة التحكيم ودور القضاء فيها

التحكيم تشكيل هيئة التحكيم ودور القضاء فيها

نصت المادة (15) من نظام التحكيم على أن :

1- لطرفى التحكيم الاتفاق على اختبار المحكمين فإذا لم يتفقا اتبع ما يأتى:

أ- إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من محكم واحد تولت المحكمة المختصة اختياره.

ب- إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من ثلاثة محكمين اختار كل طرف محكماً عنه، ثم يتفق المحكمان على اختيار المحكم الثالث، فإذا لم يعين أحد الطرفين محكمة خلال خمسة عشر يوماً التالية لتسلمه طلباً بذلك من الطرف الاخر، أو إذا لم يتفق المحكمان المعينان على اختيار المحكم الثالث خلال خمسة عشر يوماً التالية لتاريخ تعيين آخرهما، يهمه التعجيل، وذلك خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديم الطلب، ويكون للمحكم الذى اختاره المحكمان المعينان، أو الذى اختارته المحكمة المختصة رئاسة هيئة التحكيم، وتسرى هذه الأحكام فى حالة تشكيل هيئة التحكيم من أكثر من ثلاثة محكمين.

2- إذا لم يتفق طرفا التحكيم على إجراءات اختيار المحكمين، أو خالفها أحد الطرفين، او لم يتفق المحكمان المعينان على أمر مما يلزم اتفاقهما عليه، أو إذا تخلف الغير عن أداء ما عهد به إليه فى هذا الشأن، تولت المحكمة المختصة- بناءً على طلب من يهمه التعجيل- القيام بالإجراء، أو بالعمل المطلوب، ما لم ينص فى الاتفاق على كيفية أخرى لإتمام هذا الإجراء أو العمل.

3- تراعى المحكمة المختصةفى المحكم الذى تختاره الشروط التى نص عليها اتفاق الطرفين، وتلك الشروط التى يتطلبها هذا النظام، وتصدر قرارها باختيار المحكم خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تقديم الطلب.

4- مع عدم الإخلال بأحكام المادتين (التاسعة والأربعين) و(الخمسين) من هذا النظام ، يكون قرار المحكمة المختصة بتعين المحكم وفقاً للفقرتين (1و2) من هذه المادة غير قابل للطعن فيه استقلالاً بأى طريق من طرق الطعن.

و تكتسي مسألة اختيار المحكمين أهمية كبيرة لقيام التحكيم وتشكيل الهيئة التحكيمية ، ويستند اختيار المحكمين بالدرجة الأولى على إرادة الأفراد فهيئة التحكيم ركن جوهري في التحكيم لا يتصور قيامه بدونه ، والأصل أن يتفق طرفا التحكيم على هيئة التحكيم ، إلا أن عدم اتفاقهما عليها لا يؤدي إلى بطلان اتفاق التحكيم حيث أن النظام رسم الطريق إلى تحديدها في حال تخلف هذا الاتفاق[1] وقد أشار نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/34 بتاريخ 24/5/1433هـ  في المادة (13) منه إلى الضوابط التي يتم على أساسها اختيار هيئة التحكيم فنصت على أنه " تُشكل هيئة التحكيم من محُكم واحد أو أكثر ، على أن يكون العدد فردياً وإلا كان التحكيم باطلاً "

فلما كانت إرادة الأطراف هي دستور التحكيم ، فإن الأصل أنهم هم الذين يقومون بتشكيل هيئة التحكيم ، بمعني أنهم هم الذين يختارونهم ، بشرط أن يكون عددهم وتراً و إلا كان التحكيم باطلاً (المادة 13 من نظام التحكيم السعودي ) ويرجع اشتراط وترية العدد إلى تجنب إنكار العدالة ، فإذا انقسمت الآراء تكون هناك أغلبية تسمح بإصدار القرار التحكيمى ، ذلك أن أحكام المحكمين تصدر بأغلبية الآراء فهيئة التحكيم تشكل بإرادة الأطراف (المحتكمون) وباتفاقهم سواء في وثيقة التحكيم أو في شرط التحكيم  فقد يتفقوا على أن تشكل هيئة التحكيم من محكم واحد أو أكثر  ولا يوجد حد أقصي لعدد المحكمين طالما اتفق الأطراف على ذلك وطالما كان العدد وتراً  وإذا لم يتفق الأطراف على عدد المحكمين يكون عددهم ثلاثة ، بصريح نص المادة ( 15) من قانون التحكيم المصري المطابق لنص المادة( 37) من اتفاقية واشنطن ولا مقابل لذلك في نظام التحكيم السعودي مع مراعاة أن هيئة التحكيم ، خاصة في التحكيم الحر لا المؤسسي، هي هيئة خاصة مؤقتة ، تنتهي مهمتها بالفصل في النزاع ويتم اختيار هيئة التحكيم من قبل الأطراف مباشرة ، ولهم الاستعانة بخبرة غيرهم في الوقوف على هيئة التحكيم الصالحة من وجهة نظرهم للفصل في نزاعهم ، أي أن للأطراف أن يعهدوا للغير باختيار الهيئة التحكيمية  ويقوم هذا الاختيار على أساس الثقة والنزاهة والخبرة وعدم إفشاء الأسرار. ولا يلتزم الأطراف باختيار هيئة التحكيم في اتفاق التحكيم  فعدم تعيين المحكم في اتفاق التحكيم لا يؤدي إلى بطلانه أو عدم صحته.[2]

وبما أن التحكيم طريقة اختيارية لحل النزاع وهو يقوم في المقام الأول على إرادة الأطراف الحرة وتحديداً مبدأ سلطان الإرادة في كل مراحلها، يجعل تشكيل هيئة التحكيم أو اختيار المحكم خاضعة لهذه الإرادة الأمر الذي قد يترتب عليه بحال أو بآخر نزاع فيما بين أطراف الخصومة التحكيمية على اختيار المحكمين وهنا  يستوجب الحال أن تكون هناك جهة يسند إليها حل هذا النزاع  ، وعليه فالقضاء يتدخل في تشكيل هيئة التحكيم وكذلك في الفصل في المنازعات المتعلقة بتجريح المحكمين وسنتناول فيما يلي طريقة تعيين المحكمين والشروط الواجبة فيهم كضابط من ضوابط الاختيار والتعيين ومدى إمكانية رد المحكمين ومن خلال هذا العرض سيظهر بوضوح الدور الرقابي الذي يمارسه القضاء على تشكيل هيئة التحكيم .

أولاً : طريقة تعيين محكم

للفصل في النزاع يجب على الأطراف أن يقوموا باختيار محكم أو محكمين وفقاً للقواعد التي أقرها نظام التحكيم.[3]

و لأطراف التحكيم الاتفاق على كيفية اختيارهم للمحكمين أو الطريقة التي يتم على اساسها تعيينهم وقد عالجت المادة (15) من نظام التحكيم السعودي حالة عدم اتفاق الأطراف على تعيين المحكم فإذا كانت هيئة التحكيم مكونه من محكم واحد كانت المحكمة المختصة هي المخولة باختيار المحكم أما إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من ثلاثة محكمين اختار كل طرف محكماً ثم يتفق المحكمان على اختيار المحكم الثالث  فإذا لم يعين أحد الطرفين محكمه خلال خمسة عشر يوماً التالية لتسلمه طلباً بذلك من الطرف الآخر أو إذا لم يتفق المحكمان المعينان على اختيار المحكم الثالث خلال خمسة عشر يوماً التالية لتاريخ تعيين أخرهما تولت المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع اختياره بناء على طلب من يهمه التعجيل وذلك خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديم الطلب ويكون المحكم الذي اختاره المحكمان المعينان أو هيئة المحكمة المختصة هو الذي يتولى رئاسة هيئة التحكيم .[4]

والمنظم السعودي اتفق مع كثير من التشريعات العربية في مسألة أخذه بنظام المحكم الفرد أو تعدد المحكمين، ومن ثم فإن تشكيل واختيار الهيئة التحكيمية يخضع لإرادة، لأطراف وفقا لمبادئ سلطان الإرادة، إلا أن هذا المبدأ ليس على إطلاقه بل إن المنظم وضع حدودا له تتجلى في حالة اختلاف الأطراف على تعيين المحكم حيث يتم اللجوء لرئيس المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع من أجل تعيين المحكم [5] إلا أننا نرى ضرورة لاتفاق الأطراف مسبقاً على تعيين جهة معينة للتحكيم ( مركز تحكيم ) أو ذكر أسماء المحكمين في وثيقة التحكيم .

فمسألة اختيار المحكمين بعد نشوب النزاع، تظل فكرة نسبية جدا بل وتفرغ التحكيم من محتواه القانوني، لأنه وببساطة شديد من النادر أن يتفق الأطراف بعد نشوب النزاع بينهم [6]

بذلك نجد أن نظام التحكيم السعودي قد اتبع نظاماً منطقياً يتماشى مع الاتجاهات الحديثة في التحكيم حيث يختار كل طرف محكماً  والمحكم المرجح يختاره المحكمان المعينان من قبل أطراف التحكيم فإن اختلفوا عليه اختارته المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع - بناء على طلب أحد الطرفين -ويكون المحكم المرجح هو رئيس هيئة التحكيم  كذلك الحال إذا تخلف أحد الطرفين عن اختيار محكم ، حيث تختاره المحكمة الأمر الذي نخلص فيه إلى أن تدخل القضاء في تشكيل الهيئة التحكمية يستدعي توافر مجموعة من الضوابط لعل أهمها وجود نزاع بين الخصوم حول اختيار المحكمين وهو ما يعني توفر المصلحة في طلب الأمر من القضاء بالتدخل، أضف إلى ذلك ضرورة صدور قرارات المحكمة على وجه السرعة وهو ما يكرس خصوصية وميزة التحكيم من حيث السرعة في البت في النزاعات علاوة على ذلك فقد ذهبت جل التشريعات إلى إقرار مبدأ عدم قابلية قرار المحكمة باختيار المحكمين للطعن

ثانياً:  الشروط الواجب توافرها في المحكم

نصت المادة (14) من نظام التحكيم السعودي على الشروط الواجب توافرها في المحكم وهي :

1_ أن يكون كامل الأهلية .

2_ أن يكون حسن السيرة والسلوك .

 3_ أن يكون حاصلاً على الأقل على شهادة جامعية فى العلوم الشرعية أو النظامية ، وإذا كانت هيئة التحكيم مكونة من أكثر من محكم فيكتفي توافر هذا الشرط فى رئيسها   .

فالمحكم هو شخص يتمتع بثقة الخصوم الذين أولوه عناية الفصل في خصومة بينهم وهو لا يعدو أن يكون قاضياً وقع عليه اختيار الطرفين المتنازعين للفصل في نزاع محدد بينهم بدلاً من قاضي الدولة الرسمى فالمحكم ليس طرفاً في خصومة التحكيم وإنما شخص يتمتع بثقة الخصوم ويفصل فيما شجر بينهم بحكم يتمتع بحجية الشئ المحكوم به بمجرد صدوره لذلك أول ما يجب أن يتوافر في المحكم أن يحوز ثقة الأطراف وأن يكون كامل الاهلية .

من هنا نقول أنه لا يجوز أن يكون المحكم قاصراً أو محجوراً عليه أو محروماً من حقوقه المدنية بسبب الحكم عليه في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو بسبب شهر إفلاسه ما لم يرد إليه اعتباره ولكن النظام السعودي اشار إلى ذلك بعبارة  أشمل وهى أن يكون المحكم حسن السيرة والسلوك .

فيجب أن يكون المحكم حسن السيرة والسلوك فلا يجوز أن يكون محكماً من حكم عليه بجلد أو تعزير في جرم مخل بالشرف أو صدر بحقه قرار تأديبي بالفصل من وظيفة عامة أو حكم بشهر إفلاسه ما لم يكن قد رد إليه اعتباره (المادة 4 من اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم السعودى الملغي ).

 علي أنه لا يشترط في المحكم أن يكون ملماً بالقراءة والكتابة فيكفي أن يكون من ذوي الخبرة ممن حاز ثقة الأطراف كما لا يُشترط أن يكون رجل قانون أو أن يكون أحد المحكمين على الأقل رجل قانون  كما لا يشترط أن يكون مواطناً  فالمادة( 3 ) من اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم السعودي الملغي تصرح بأن المحكم يكون من الوطنيين أو الأجانب المسلمين من أصحاب المهن الحرة أو غيرهم ويجوز أن يكون من بين موظفي الدولة بعد موافقة الجهة التي يتبعها الموظف ولكن يجب - عند تعدد المحكمين - أن يكون رئيسهم على دراية بالقواعد الشرعية والأنظمة التجارية والعرف والتقاليد السارية في المملكة . فإذا كان لا يشترط الجنسية في المحكم فإنه يشترط فيه الإسلام ويضاف في رئيس التحكيم اشتراط الدراية بالقواعد الشرعية والأنظمة التجارية والعرف والتقاليد وذلك لأنه كالقاضي يحسم منازعات الأفراد ويطبق العدل ويعيد الحقوق لأصحابها.

لكن في نظام التحكيم لم تشير المادة (14) منه إلى شرط الإسلام أو شرط الجنسية ، وتشترط بعض مراكز التحكيم الدائمة أن يكون المحكم من غير جنسية أطراف النزاع ، ولم يشترط نظام التحكيم السعودي أن يكون المحكم رجلاً وإن كان العمل يجري على اشتراط الذكورة في المحكم كما في القاضي.

ولم يوضح نظام التحكيم السعودي مدى جواز أن يكون المحكم شخصاً اعتبارياً ، ويمكن القول أن اشتراط كمال الأهلية في المحكم وألا يكون قاصراً أو محجوراً عليه أو محروماً من مباشرة حقوقه أو مفلساً يستنتج منه أنه يشترط في المحكم أن يكون شخصاً طبيعياً لأن هذه الصفات لا ترد إلا على الشخص الطبيعي دون الاعتباري (شركة أو جمعية أو مركزاً).

ولكن من المتصور أن يقوم الشخص الاعتباري بتنظيم عملية التحكيم دون أن يكون محكماً في حال تضمن اتفاق التحكيم شرطاً يقضي بتولي الشخص الاعتباري مهمة التحكيم وهو ما يحدث عملياً في التحكيم عن طريق منظمة أو هيئة متخصصة وهو ما يسمي بالتحكيم المؤسسي أو المنظم.

ثالثاً : مدى إمكان رد المحكم

  عاجلت المادة (16) من نظام التحكيم السعودي مسألة رد المحكم حيث نصت على انه "

  1.  يجب ألا يكون للمحكم مصلحة في النزاع وعليه منذ تعيينه وطوال إجراءات التحكيم- أن يصرح  –كتابة - لطرفي التحكيم بكل الظروف التي من شأنها أن تُثير شكوكًا لها ما يسوغها حول حياده واستقلاله إلا إذا كان قد سبق له أن أحاطهما علمًا بها .
  2. يكون المحكم ممنوعاً من النظر في الدعوى وسماعها - ولو لم يطلب ذلك أحد طرفي التحكيم- في الحالات نفسها التي يمنع فيها القاضي.
  3. لا يجوز رد المحكم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكًا جدية حول حياده أو استقلاله، أو إذا لم يكن حائز اً لمؤهلات اتفق عليها طرفا التحكيم، وذلك بما لا یخل بما ورد في المادة (الرابعة عشرة) من  هذا النظام.

4-    لا يجوز لأي من طرفي التحكيم طلب رد المحكم الذي عينه أو اشترك في تعيينه إلا لأسباب اتضحت بعد أن تم تعيين هذا المحكم."   

ثم حددت المادة (17) من نظام التحكيم إجراءات رد المحكمين حيث نصت على أنه :"

1-             إذا لم يكن هناك اتفاق بين طرفي التحكيم حول إجراءات رد المحكم يقدم طلب الردكتابة - إلى هيئة التحكيم مبينًا فيه أسباب الرد خلال خمسة أيام من تاريخ علم طالب الرد بتشكيل الهيئة ، أو بالظروف المسوغة للرد فإذا لم يتنح المحكم المطلوب رده  أو لم يوافق الطرف الآخر على طلب الرد خلال خمسة أيام من تاريخ تقديمه فعلى  هيئة التحكيم أن تبت فيه خلال (خمسة عشر يومًا ) من تاريخ تسلمه ولطالب الرد في حالة رفض طلبه التقدم به إلى المحكمة المختصة خلال( ثلاثين يومًا )  ويكون حكمها في ذلك غير قابل للطعن بأي طريق من طرق الطعن.

2-              لا يقبل طلب الرد ممن سبق له تقديم طلب برد المحكم نفسه في التحكيم نفسه للأسباب ذاتها

3-              يترتب على تقديم طلب الرد أمام هيئة التحكیم وقف إجراءات التحكيم ولا يترتب على الطعن في حكم  هيئة التحكيم الصادر برفض طلب الرد وقف إجراءات التحكيم.

4-             إذا حكُم برد المحكم - سواء من هيئة التحكيم  أم من المحكمة المختصة عند نظر الطعن- ترتب على ذلك اعتبار ما يكون قد تم من إجراءات التحكيم -بما في ذلك حكم التحكيم-كأن لم يكن."  

مفاد ذلك أنه يمكن رد المحكم كما يرد القاضي حيث تقوم ظروف تثير شكوكاً جدية حول حيدته أو استقلاله  ومذهب قانون التحكيم المصري أكثر اتفاقاً مع الاتجاهات الحديثة في التحكيم الدولى وفيه ضمان أكثر لحيدة المحكم ونزاهته ويمكن أن تدخل تحت هذا السبب العام أسباب عدم الصلاحية  التي لم يرد لها ذكر في قوانين التحكيم مع مراعاة أنه لا يعيب المحكم أن يكون قريباً لأحد الأطراف أو أن تكون له بأحد الأطراف بالقضية علاقة أو صلة لأن لأطراف التحكيم اختيار أي شخص كمحكم طالما وثقوا به فاتفاقهم هو الأساس ، في ذلك  ولكن يجب في كل الأحوال ألا تكون لأحد المحكمين مصلحة في النزاع  حتى يكون المحكم محايداً.

فبجانب الحالات التي تستوجب عزل المحكم إذا لم يعتزل أو يتنحى من تلقاء نفسه ويصبح حكمه باطلاً هناك حالات أخرى متي ما توافرت احداها فإنه يجوز رد المحكم عن اكمال النظر في موضوع النزاع .[7]

ويقصد برد المحكم منعه من مواصلة الفصل في النزاع لظهور أسباب قد تثير قدراً من عدم الطمأنينة لدي الخصوم أو أحدهم فيما يتعلق بحياد المحكم وبالتالى يكون لهم الحق في طلب تنحيتة ومنعه من النظر أو إكمال النظر في النزاع .[8]

و يتعين أن يلتزم المحكم بصفته قاضياً بالحياد والموضوعية أثناء التصدي لخصومة التحكيم ولما كانت وجود صلة أو علاقة بين القاضي وأحد الخصوم من شأنها أن تجعله يميل عن الحق ، فينحرف ميزان العدالة في يديه ، لذلك يجب عليه التنحي كي يحل محله قاض آخر لا تربطه بالخصوم صلة أو علاقة يخشى أن تؤثر على حياده وإلا أمكن لأي من الخصوم طلب رده. [9]

فإن الأمر كذلك بالنسبة للمحكم الذي يتمتع بالاستقلال تجاه الأطراف ويجب عليه أن يحكم بالعدل دون أن يميل حياده. لذلك إذا قام سبب من شأنه أن يؤثر في حياد المحكم أمكن لأي من الأطراف أن يطلب رد المحكم إن لم يتنح عن نظر القضية.

من خلال استعراضنا لطريقة تشكيل هيئة التحكيم ودور القضاء فيها نستنتج عدة نتائج تظهر بوضوح العلاقة بين التحكيم والقضاء:

أولاً: من ناحية تشكيل هيئة التحكيم فإن الدعوى القضائية لا تثور فيها هذه الإشكالية إنما يخضع تشكيل الهيئات والمحاكم القضائية لنظام القضاء الذي يحدد بوضوح أنواع المحاكم وتشكيلها القضائي وهل تشكل من قاضي فرد أم من ثلاثة قضاة أو أكثر من ذلك وبالتالي لا يجوز للخصوم الخوض في مسألة تشكيل هيئة المحكمة أو طلب اختيار قاضي بعينه ومثال ذلك ما نصت عليه المادة (19) من نظام القضاء السعودي والتي نصت على انه " تؤلف المحاكم العامة في المناطق من دوائر متخصصة، يكون من بينها دوائر للتنفيذ وللإثباتات الإنهائية وما في حكمها - الخارجة عن اختصاصات المحاكم الأخرى وكتابات العدل - وللفصل في الدعاوى الناشئة عن حوادث السير وعن المخالفات المنصوص عليها في نظام المرور ولائحته التنفيذية، وتكون كل دائرة فيها من قاض فرد أو ثلاثة قضاة، وفق ما يحدده المجلس الأعلى للقضاء." لكن يخضع القضاة لقواعد رد القضاة فالقاضي يرد كما يرد المحكم للأسباب التي أوردتها المادة السادسة والتسعون من نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 22/01/1435هـ ولائحته التنفيذية.

ثانياً: كما وضح لنا جلياً دور القضاء في اختيار المحكمين وتعيينهم وذلك في الحالات التالي:

  1. إذا كان المحكم فرداً فإن المحكمة المختصة هي التي تقوم باختياره إذا لم يتفق الأطراف على اختياره.
  2. إذا كانت هيئة التحكيم من ثلاثة محكمين تختار المحكمة المحكم الثالث في حالة عدم اتفاق الأطراف على اختياره وتعيينه.

رابعاً: سلطة القضاء في اتخاذ تدابير تحفظية قبل بدء النزاع

قد تقتضي طبيعة النزاع الذي تنظره هيئة التحكيم اتخاذ بعض التدابير المؤقتة لغايات حفظ مصلحة طرفي النزاع وبغية الوصول إلى تسوية تتفق ومنطق النظام .[10]  

وقد أقر المنظم السعودي لهيئة التحكيم بسلطة التدابير الوقتية أو التحفظية بالرغم من اقراره لحرية الأطراف في تحديد قواعد وإجراءات التحكيم حيث نصت المادة (23) من نظام التحكيم على أنه : " 1- يجوز لطرفى التحكيم الاتفاق على أن يكون لهيئة التحكيم- بناءً على طلب أحدهما- أن تأمر أياً منهما باتخاذ ما تراه من تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع. ولهيئة التحكيم أن تلزم الطرف الذى يطلب اتخاذ تلك التدابير تقديم ضمان مالى مناسب لتنفيذ هذا الإجراء. 2- إذا تخلف من صدر عليه الأمر عن تنفيذه جاز لهيئة التحكيم بناءً على طلب الطرف الآخر أن تأذن لهذا الطرف فى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه ، وذلك دون إخلال بحق الهيئة أو الطرف الآخر فى أن يطلب من الجهة المختصة تكليف من صدر عليه الأمر بتنفيذه. " ووفقاً لنص هذه المادة وحتى ينعقد الاختصاص لهيئة التحكيم باتخاذ تدابير وقتية لابد من توافر شرطين :

  1.  لا بد من النص صراحة في اتفاق التحكيم على اختصاص هيئة التحكيم باتخاذ تدابير وقتية
  2. أن يتقدم أحد الطرفين للهيئة بطلب إصدار مثل هذا الأمر .

وتأسيساً على ما سبق فإنه لا يجوز لهيئة التحكيم اتخاذ مثل هذه التدابير من تلقاء نفسها حتى وإن وجدت هيئة التحكيم نفسها أمام ظروف تجبرها على إتخاذ التدابير حسماً للنزاع .[11]

واعترف المنظم السعودي للقضاء بسلطة إتخاذ تدابير وقتية أو تحفظية حيث نصت (22) من نظام التحكيم على أنه "1- للمحكمة المختصة أن تأمر باتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية بناءً على طلب أحد طرفى التحكيم قبل البدء فى إجراءات التحكيم أو بناء على طلب هيئة التحكيم أثناء سير إجراءات التحكيم، ويجوز الرجوع عن تلك الإجراءات بالطريقة نفسها ، ما لم يتفق طرفا التحكيم على خلاف ذلك " وحسب نص المادة فإن المحكمة المختصة لا يجوز لها إتخاذ تدابير وقتية أو تحفيظة إلا في حالتين :

  1. الحالة الأولى بناء على طلب أحد طرفي التحكيم قبل البدء في إجراءات التحكيم
  2. الحالة الثانية بناء على طلب هيئة التحكيم أثناء سير إجراءات التحكيم .

والتدابير المؤقتة هي عبارة عن حماية بديلة تحل مؤقتا محل الحماية القضائية والتنفيذية العادية ومثالها النفقة الوقتية التي يحكم بها مؤقتا إلى أن يصدر حكم في الموضوع في النفقة والتعويض المؤثت الذي  يحكم به حتى يتم الفصل في دعوى المسؤولية وتحديد التعويض بصفة نهائية أما التدابير التحفظية فهي التي تهدف إلى المحافظة على الحق لضمانه في المستقبل فهي وسائل تكفل وجود الحق عندما يصدر حكم في الموضوع ومثالها الحجز التحفظي الذى يهدف إلى المحافظة على أموال المدين و يتيح للدائن بعد الحصول على حكم بثبوت الحق وصحة الحجز باستيفاء حقه اختياراً أو جبراً.[12] وتظهر أهمية التدابير الوقتية والإجراءات التحفظية بالنسبة للمنازعات التحكيمية بشكل أكبر حيث الحاجة إليها أشد خاصة مع وجود مبررات تتطلبها والتي يمكن بيان بعضها فيما يلي :

  1. الحاجة إلى السرعة في بعض القضايا والتي تتطلب إجراء فوري وسريع ولتفادي البطء الذي قد يلازم إجراءات التحكيم إلى أن يتم الفصل في موضوع النزاع .
  2. إن الغاية من هذه التدابير هي غاية وقائية لحماية الطالب من ضرر محتمل وليست غاية تهدف إلى إزالة ضرر حال.
  3. يؤدى اتخاذ هذه الإجراءات بمعرفة هيئات التحكيم إلى الاقتصاد في الوقت والنفقات فضلاً عن تخفيف العبء عن القضاء .[13]
إعداد المحامي حسام العريان

المراجع 

[1] ورقة عمل مقدمة من المحامي الدكتور علاء الدين الحسيني في دورة التحكيم في حماه والمنظمة من قبل المركزي السوري للتحكيم

[2] دكتور أحمد هندي ، ورقة عمل خصومة التحكيم مقدمة في ورشة عمل التحكيم في منازعات الاستثمار وعقود التجارة الدولية

[3] د محمد بن ناصر بن محمد البجاد ، التحكيم في المملكة العربية السعودية ، مركز البحوث والدراسات الإدارية ص 123 بدون سنة طباعة أو تاريخ نشر

[4] د محمد بن ناصر بن محمد البجاد ، المرجع السابق ص 125

[5] رضا السيد عبد الحميد، مسائل في التحكيم- دار النهضة العربية الطبعة 1989 بيروت ص 31.

[6] محمد لفروجي، التاجر والأعمال التجارية، ط 1997، ص: 382

[7] د عزمي عبدالفتاح ، إجراءات رد المحكمين في قانون المرافعات الكويتي ، مجلة الحقوق ، كلية الحقوق ، جامعة الكويت ، العدد الرابع ، السنة الثامنة ، ص 236

[8] د محمد بن ناصر بن محمد البجاد ، المرجع السابق ص 157

[9] دكتور أحمد هندي ، ورقة عمل خصومة التحكيم مقدمة في ورشة عمل التحكيم في منازعات الاستثمار وعقود التجارة الدولية ، د محمد بن ناصر بن محمد البجاد ، المرجع السابق ص 135

[10] دور المحكمة في خصومة التحكيم في ضوء التحكيم الأردني ، فرح اسماعيل عفانه ، 2012 ص 21

[11] دور المحكمة في خصومة التحكيم في ضوء التحكيم الأردني ، فرح اسماعيل عفانه ، 2012 ص 22

[12] الصانوري محمد أحمد " دور المحكم في حصومة التحكيم الدولي الخاص" دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الطبعة الأاولى ، عمان – الأردن 2005 ص 103

[13] الصانوري محمد ، المرجع السابق ص 103