نطاق تطبيق نظام التحكيم

التحكيم نطاق تطبيق نظام التحكيم

تنص المادة (2) من نظام التحكيم السعودي على أنه " مع عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية وأحكام الاتفاقيات الدولية التى تكون المملكة طرفاً فيها تسري أحكام هذا النظام على كل تحكيم ، أياً كانت طبيعة العلاقة النظامية التى تدور حولها النزاع ، إذا جرى هذا التحكيم فى المملكة , أو كان تحكيماً تجارياً دولياً يجري فى الخارج , واتفق طرفاه على إخضاعه لأحكام هذا النظام . ولا تسري أحكام هذا النظام على المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية ، والمسائل التى لا يجوز فيها الصلح " .

يتضح لنا أن نظام التحكيم السعودي قد وضع قاعدتين بشأن نطاق التحكيم ، حيث تتمثل القاعدة الأولى فى سريان أحكام هذا النظام على كافة أنواع التحكيم أياً كانت طبيعته وشكله ، والقاعدة الثانية تتمثل فى عدم خضوع منازعات الأحوال الشخصية وما لا يجوز فيه الصلح مثل المسائل الجزائية للتحكيم بصوره وأشكاله .

وسنورد مسألتين من المسائل التي لا يجوز فيها التحكيم وهما :

أولاً : المسائل التي لا يجوز فيها الصلح   

لم يحدد المنظم السعودي المسائل التي لا يجوز فيها إجراء الصلح بين المتخاصمين , إلا أن المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لنظام التحكيم الملغي قد أوردت على سبيل المثال لا الحصر – بعض أنواع المسائل التي لا يجوز أن يتم الصلح بشأنها وهي جرائم الحدود واللعان بين الزوجين .

ونرى أن في ذلك إشارة إلى تطبيق القواعد العامة في الشريعة الإسلامية الغراء عند تحديد نطاق تلك المسائل وبالرجوع إلى تلك القواعد العامة التي قررتها الشريعة الإسلامية نجد أن الصلح وقياساً عليه التحكيم لا يجوز أن يكون فيما هو حق خالص لله تعالى لا يجب التفريط أو التهاون في تطبيقه كالعقوبات المقررة في جرائم الحدود , وذلك لأن مثل تلك العقوبات أقرت للمصلحة العامة ولحماية المجتمع وليست لمصلحة فرد واحد , وبالتالي لا يجوز أن يتم إخضاعها للصلح أو للتحكيم لعظم أهميتها وخوفاً من أن يتم تجاوزها أو التهاون في تطبيقها لأن في ذلك مخالفة لما أمر به المولى سبحانه وتعالى وبناء عليه فإن مثل تلك المسائل يجب ألا تنظر إلا من قبل القاضي وليس لأحد الحق في إسقاطها أو تخفيفها , وإلا أصبح خارجاً على ما شرعه الله سبحانه وتعالى [1] كذلك لا يجوز التحكيم في المسائل التي يجتمع فيها حق لله سبحانه وتعالى وحق العبد سواء كان حق الله فيها أغلب كحد القذف أو كان حق العبد فيها أغلب كالقصاص والتعزير [2].

 وذلك أن مثل هذا النوع من المسائل التي تعلق بها حق الله سبحانه وتعالى , وبالتالي يجب ألا يحكم فيها إلا القاضي , لأنه صاحب الولاية العامة ولا يجب أن تنظر أو يتم الحكم فيها من قبل المحكمين .[3]

وبناء على ذلك فإن التحكيم لا يصح إلا فيما هو حق خالص للعبد بشرط ألا يخالف هذا الحق الكتاب والسنة والإجماع , وألا يتعلق بحق شخص آخر خارج عن الخصومة , والعلة في جواز التحكيم في المسائل التي تتعلق بحق خالص للعبد تكمن في حريته في استيفاء هذا الحق أو التنازل عنه برغبته واختياره و يتضح كذلك أنه لا يجوز الاتفاق على التحكيم عند تحديد المسئولية الجنائية وهو ما إذا كان الشخص مذنباً قطعاً أو رجماً أو قتلاً أو جلداً أو سجناً وفي المقابل فإنه يجوز الاتفاق على التحكيم لتقدير التعويض المالي المستحق للمجني عليه فقط لأنه يجوز الصلح معه و كذلك لا يجوز التحكيم في اللعان بين الزوجين أو في تحديد أهلية شخص معين وما إذا كان قد بلغ سن الرشد أم لم يبلغها أو أنه كامل أو ناقص أو عديم الأهلية أو في تقرير اعتبار الشخص وارثاً أم لا يعتبر أو ما إذا كان الولد ينسب لشخص معين أو أنه غير شرعي أو متبني و كما لا يجوز اللجوء إلى التحكيم للفصل فيما يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية مثل تقرير الحقوق المترتبة على الطلاق أو المتعلقة بحضانة الطفل وبحقوقه التي قررتها له الشريعة على والديه , أما ما يتعلق بتحديد المسائل المالية المتعلقة بالحقوق الشخصية فإنه يجوز الفصل فيها عن طريق التحكيم , وذلك لأن المستفيد من هذه الحقوق له الحق في التنازل عما ترتبه من مبالغ مالية إذا قرر برضاه واختياره القيام بمثل هذا التنازل , فالزوجة على سبيل المثال قرر لها المشرع سبحانه وتعالى حق النفقة , وبناء عليه لا يجوز اللجوء إلى التحكيم للفصل فيما إذا كان هذا الحق مقررا لها أم لا ولحرمانها من هذا الحق , ولكن يجوز التحكيم لتحديد مقدار المبلغ المالي الذي يجب أن يدفعه الزوج كنفقة والذي يحق للزوجة أن تتنازل عنه باختيارها ورغبتها .[4]

ثانياً: المسائل المتعلقة بالنظام العام

        لا يجوز اللجوء إلى التحكيم مطلقا للفصل في المنازعات المتعلقة بمسائل النظام العام ومسائل النظام العام ، هي الأمور المتعلقة بالمصالح العامة في المجتمع والتي تحقق له الحماية والاستقرار ، ويعتبر من النظام العام في المملكة العربية السعودية ما نصت عليه الشريعة الإسلامية في شتى المجالات وكذلك الأنظمة بتعدد أنواعها سواء كانت مدنية أم غير مدنية فأي تحكيم يتعلق بمسائل النظام العام يقع باطلا بطلانا مطلقاً لمخالفته النظام العام ويجب على المحكمة المختصة بنظر النزاع أن تحكم من تلقاء نفسها برد الدعوى وعدم النظر فيها والعلة في ذلك هو تعلق مثل تلك المسائل بالمصالح العامة العليا للمجتمع ولكل فرد فيه , وبالتالي يجب إخضاعها للسلطة العامة للقضاء بصفتها صاحبة الولاية للفصل في مثل تلك المسائل , لأن في توليتها ضمانة لعدم المساس بحق المجتمع ممن قد يكون له مصلحة فيما يبرمه من مصالحة أو تحكيم ، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز التحكيم في مدى استحقاق شخص ما للجنسية واستحقاقها أو إسقاطها عنه , لأن ذلك من اختصاص الجهات الرسمية وحدها ولنفس السبب لا يجوز التحكيم بخصوص المنازعات المتعلقة بتعيين الموظفين وإقالتهم , أو بخصوص المسائل المتعلقة برد القضاة أو عزلهم ولا فيما يتعلق بتحديد الإجراءات القضائية التي يجب اتخاذها أمام أية محكمة أو إجراءات التنفيذ وما هو مقرر بشأنها كذلك لا يجوز التحكيم في المسائل التي تدخل في اختصاص محاكم الدولة نفسها حتى لو صدر الحكم التحكيمي في الخارج كما لا يجوز التحكيم في إنكار بعض أو كل ما جاء في نظام معين ولا في المسائل الجنائية وتحديد مسئولية الجناة كما رأينا سلفاً , ولا في منح شخص معين ميزة أو حقاً أو إلزامه بغير ما حدده النظام أو القواعد العامة .[5]

و على سبيل المثال فقد نص نظام التحكيم في المادة (10 الفقرة 2) منه على أنه " لا يجوز للجهات الحكومية الاتفاق على التحكيم إلا بعد موافقة رئيس مجلس الوزراء ما لم يرد نص خاص يجيز ذلك "

وبذلك فقد جعل المنظم أن الأصل عدم قيام الجهات الحكومية باللجوء إلى التحكيم لفض أي منازعة إلا بعد أخذ الموافقة من رئيس مجلس الوزراء (الملك) , ومعنى ذلك أن الجهة الحكومية لو لجأت إلى التحكيم بغير إذن رئيس مجلس الوزراء يكون الحكم التحكيمي باطلاً .

ثم أن نظام التحكيم قد شدد على مسألة اللجوء إلى التحكيم واشترط فيمن يلجأ إلى التحكيم توافر صفة بعينها حيث اشترط نظام التحكيم في المادة(10 الفقرة 1 ) منه " لا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممن يملك التصرف في حقوقه سواء أكان شخصاً طبيعيًا - أو من يمثله- أم شخصاً اعتباريًا " فمنع بذلك  الوصي على القاصر و الولي على الأيتام و ناظر الوقف ما لم يكون مأذونا له بذلك من المحكمة المختصة .

إعداد المحامي حسام العريان

 


[1] بخصوص موقف الفقه الإسلامي من المسائل التي يجوز فيها الصلح ينظر ، ابن قدامه المقدسي : الشرح الكبير على متن الإقناع ، الجزء الثالث ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، الرياض ص (2)

[2] د قحطان الدوري ، مرجع سابق  ص 267

[3] د البجاد المرجع السابق ص 47

[4] د البجاد ، مرجع سابق ، ص 48

[5] البجاد ، مرجع سابق ص 48-49