حكم التحكيم وشروط صحته

التحكيم حكم التحكيم وشروط صحته

 بعد أن يتم نظر الدعوى التحكيمية وتحقيقها , ويتم قفل باب المرافعة للتدقيق والمداولة , يصدر المحكم أو الهيئة التحكيمية الحكم في النزاع المعروض عليهم , وبصدور الحكم وفقا للشكل والإجراءات التي حددها نظام التحكيم يسدل الستار على النزاع وتنتهي عملية الفصل فيه , وبذلك يكون المحكم أو هيئة التحكيم قد أنهوا المهمة التي كلفهم بها أطراف الخصومة , ونظراً للأهمية البالغة لحكم المحكم بصفته المحصلة النهائية من لجوء الخصوم إلى التحكيم فقد عني به المنظم السعودي عناية خاصة موضحا الكيفية التي يجب أن يتم من خلالها إصدار الحكم والآثار القانونية المترتبة عليه[1] .

وعلى ذلك يمكن تعريف الحكم التحكيمي " بأنه كل حكم قطعي يفصل في جميع المسائل المعروضة على هيئة التحكيم أو كل قرار نهائي يفصل في مسالة تتعلق بالموضوع أيا كانت طبيعتها , أو يفصل في مسألة الاختصاص أو أي مسألة إجرائية " والواقع أن هذا التعريف في رأيي يدخل في تعريف الحكم بعضاً من أوصافه , فالحكم له جوهر وله أوصاف وله آثار ولا يجوز خلط هذه الأمور معاً , ووصف الحكم بأنه قطعي أو غير قطعي يبنى على أسس معينة ويهدف إلى تحقيق غايات خاصة وله معايير معينة وكل ذلك لا دخل له في تحديد جوهر التحكيم .[2]  كذلك إدخال وصف النهائية أو الابتدائية على تعريف الحكم غير جائز في رأيي لأن هذه الأوصاف لا تدخل في جوهر تعريف الحكم, أو مضمونه[3] .

ومن المعروف أن أهمية تعريف حكم المحكم ترجع إلى أنه هو وحده الذي يولد آثارا محددة في القانون ويطعن عليه بطرق الطعن التي يحددها المشرع , والتعريف السابق الإشارة إليه يمكن اعتباره من التعريفات الموسعة لمعنى الحكم الصادر من هيئة التحكيم , وإلى جانبه توجد تعريفات مضيقة لحكم المحكم , ووفقا لها فحكم المحكم هو القرار الصادر من المحكم والذي يفصل في طلب محدد , أو تنتهي به بشكل كلي أو جزئي منازعة التحكيم[4] , وما يصدر من المحكم في غير خصومة لا يعد حكم محكم مثال ذلك قرارات تحديد زمان ومكان جلسات التحكيم أو التأجيل فكل هذه القرارات لا تعد أحكاماً مثل قرار ندب خبير أو قرار يتضمن معاينة بضائع أو سماع شاهد ويجب أن يشتمل على كافة عناصر الحكم القضائي كما سنرى من بعد , وحكم المحكم هو إجراء يقوم به المحكم من خلال الخصومة أو في نهايتها للإعلان عن إرادته هو لا إرادة الأطراف و بالتالي فهذا الحكم كعمل إجرائي يخضع للإجراءات المنصوص عليها في قانون التحكيم فضلا عن المبادئ الأساسية في التقاضي حتى لو لم ترد في هذا القانون الأخير ويرتب حكم المحكمة فاعلية داخل الإجراءات , ويعني ذلك قيام المحكم بأداء واجبه الإجرائي بإصداره , أما الآثار الأخرى التي يولدها هذا الحكم فتتوقف على دوره في الخصومة وطبيعة الإرادة التي يعلنها , بمعنى أنه إذا كان حكماً منهياً للخصومة فهو يؤدي إلى انقضائها , ويمنح المحكوم عليه فرصة للطعن عليه , وإذا كان حكما قطعياً فإنه يستنفذ ولاية المحكم أما حجية الحكم خارج نطاق الخصومة فهو يرتبها باعتباره شكلاً إجرائياً للعمل القضائي الذي تضمن حكم القانون في المسألة التي حسمها الحكم الصادر في الموضوع.[5]

ولاشك أن الحصول على حكم التحكيم هو الغاية التي يسعى إليها أطراف النزاع , ومن المتصور إنهاء خصومة التحكيم دون أن يصدر حكم فيه كما في حالات الصلح أثناء سير الخصومة أو وفاة الخصوم أو في حالة اتفاق الطرفين على إنهائه أو إذا ترك المدعي خصومة التحكيم وما إلى ذلك من الأسباب , وإصدار حكم التحكيم يقتضي البحث في ميعاد صدور حكم التحكيم وكيفية صدور حكم التحكيم وكذلك شكليات حكم التحكيم.[6]

و هناك بعض الضوابط التي يجب على هيئة التحكيم أن تراعيها عند إصدارها لحكم التحكيم سبق الإشارة إليها وهي أن تطبق على موضع النزاع القواعد التي يتفق عليها الطرفان , وإذا اتفقا على تطبيق قانون دولة معينة اتبعت القواعد الموضوعية فيه دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين ما لم يتفق على غير ذلك ،وإذا لم يتفق الطرفان على القواعد القانونية الواجبة التطبيق موضوع النزاع طبقت هيئة التحكيم القواعد الموضوعية في القانون الذي ترى أنه الأكثر اتصالاً بالنزاع ويجب أن تراعى هيئة التحكيم عند الفصل في موضوع النزاع شروط العقد محل النزاع والأعراف الجارية في نوع المعاملة [7]

و نصت المادة (42)من نظام التحكيم على أنه "

1- يصدر حكم التحكيم كتابة ويكون مسبباً، ويوقعه المحكمون، وفى حالة تشكيل هيئة التحكيم من أكثر من محكم واحد يكتفى بتوقيعات أغلبية المحكمين بشرط أن يثبت فى محضر القضية أسباب عدم توقيع الأقلية.

2- يجب أن يشمل حكم التحكيم على تاريخ النطق به ومكان إصداره، وأسماء الخصوم، وعناوينهم، وأسماء المحكمين، وعناوينهم، وجنسياتهم، وصفاتهم، وملخص اتفاق التحكيم، وملخص لأقوال وطلبات طرفى التحكيم، مرافعتهم، ومستنداتهم، وملخص تقرير الخبرة- إن وجد- ومنطوق الحكم، وتحديد أتعاب المحكمين، ونفقات التحكيم، وكيفية توزيعها بين الطرفين. دون إخلال بما قضت به المادة ( الرابعة والعشرون) من هذا النظام." فلكي تتوافر في الحكم شروط الصحة لابد من اتباع الاجراءات النظامية التي أوجبها المنظم لصدور الحكم , فحينما يتم قفل باب المرافعة والمداولة في الدعوى يتم إصدار الحكم وفقا للإجراءات التي حددها النظام , وتتمثل هذه الإجراءات بالكيفية التي يصدر بها الحكم والميعاد الذي يجب أن يصدر خلاله , وكذلك البيانات التي يجب أن يحتويها , وذلك على النحو التإلى :-

  1. كيفية صدور الحكم
  2. ميعاد صدور الحكم
  3. بيانات الحكم
  4. النطق بالحكم

أولاً: كيفية صدور الحكم

نصت المادة (38) من نظام التحكيم الجديد على أنه "  1/ مع مُراعاةِ عدم مُخَالَفة أحكام الشريعة الإسلاميّة والنظام العام بالمملكة ، على هيئة التَحكيم أثناء نظر النزاع الآتي:

  1.  تطبيق القواعد التي يَتّفق عليها طرفا التَحكيم على موضوع النزاع ، وإذا اتفقا على تطبيق نظام دولةٍ مُعينةٍ اتُّبعَت القواعد الموضوعيّة فيه دون القواعد الخاصّة بتنازع القوانين ، ما لم يُتّفق على غير ذلك.

ب‌.  إذا لم يَتّفق طرفا التَحكيم على القواعد النظاميّة واجبة التطبيق على موضوع النزاع ،طُبّقَت هيئة التَحكيم القَواعد الموضوعيّة في النظام الذي تَرى أنه الأكثر اتصالًا بموضوع النزاع.

ت‌.  يجب أن تُراعي هيئة التَحكيم عند الفصل في موضوع النزاع شروط العَقد مَحل النزاع، وتأخذ في الاعتبار الأعرافُ الجاريّة في نوع المُعامَلة، والعادات المُتَّبَعة، وما جرى عليه التعامل بين الطرفيّن.

  2/ إذا اتّفق طرفا التَحكيم صراحةً على تفويض هيئة التَحكيم بالصلح جاز لها أن تَحكُم به وِفقَ مُقتضى قواعد العدالة والإنصاف. )[8]

كما أشار نظام التحكيم إلى أنه :[9]

1- يصدر حُكم هيئة التَحكيم المُشكّلةُ من أكثر من مُحكّم واحدٍ بأغلبيّة أعضائها بَعدَ مُداولةٍ سِريّة.

2- إذا تشعبت آراء هيئة التَحكيم ولم يكن مُمكناً حصول الأغلبيّة فلهيئة التحكيم اختيار محكم مرجح خلال (15) يوماً من قراراها بعد إمكان حصول الأغلبية وإلا عيّنت المحكمة المختصة محكماً مرجحاً   

3- يجوز أن تصدر القرارات في المسائل الإجرائيّة من المُحكّم الذي يرأس الهيئة إذا صرّح طرفا التَحكيم بذلك كتابةً، أو أذن له جميع أعضاء هيئة التَحكيم ما لم يتّفق طرفا التَحكيم على غير ذلك.

4- إن كانت هيئة التَحكيم مُفوَّضة بالصلح وَجب أن يَصدر الحُكم به بالإجماع.

5- لهيئة التَحكيم أن تُصدر أحكاماً وقتيّةً أو في جزء من الطلبات، وذلك قبل إصدار الحُكم المُنهي للخُصومة كلها، ما لم يتّفق طرفا التَحكيم على غير ذلك.

وكما يتضح من النصوص النظامية أن إجراءات صدور قرار التحكيم طبقاً لهذا النظام بالأغلبية إذا كانت الهيئة مكونة من أكثر من عضو تحكيم وفي حالة تشعب الآراء وعدم القدرة إلى الوصول إلى الأغلبية فلهيئة التحكيم اختيار محكم مرجح وذلك في خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ عدم الوصول للأغلبية المطلوبة لصدور القرار وفي حالة عدم قيام هيئة التحكيم بتعيين المحكم المرجح ففي هذه الحالة ينعقد الاختصاص للجهة المختصة بنظر النزاع أصلاً ، ويصدر قرار التحكيم طبقاً لنظام التحكيم الحالي مشتملاً على جميع البيانات الضرورية على النحو المذكور في النظام السابق فيما عدا أن نظام التحكيم الحالي قد تطلب أن يتضمن قرار التحكيم على أتعاب المحكمين وكيفية توزيعها بين الأطراف كما يشتمل القرار على نفقات التحكيم

و في حالة إذا كانت هيئة التحكيم مفوضة بالصلح ، فيجب أن يصدر القرار من هيئة التحكيم بالإجماع .

وقبل صدور الحكم فقد خول النظام لأطراف التحكيم الطلب من الهيئة إصدار أحكام وقتية أو في جزء من الطلبات وذلك قبل إصدار الحكم المنهي للخصومة[10].

والمقصود بالأحكام الوقتية هي الأحكام التي تقتضيها ظروف وملابسات المنازعة وضرورة سرعة اتخاذ إجراء لمنع ضرر محدق قد يقع على أحد أطراف التحكيم دون تأثير هذا الإجراء أو الحكم الوقتي على موضوع النزاع ومثال ذلك طلب أحد الخصوم تعيين حارس على بضاعة ما خشية تعرضها للسرقة وغيرها من الإجراءات الوقتية والتي يكون الغرض منها مواجهة إجراء طارئ دون المساس بأصل الموضوع .

وتنتهي إجراءات التحكيم بصدور حكم من هيئة التحكيم منهي للخصومة أو بصدور قرار من هيئة التحكيم بإنهاء الإجراءات حيث نصت المادة (41( من نظام التحكيم الجديد على أنه :-

"  1- تنتهي إجراءات التَحكيم بصدور الحُكم المُنهي للخُصومة، أو بصدورٍ قرار من هيئة التَحكيم بإنهاء الإجراءات في الأحوال الآتيّة:

  1. إذا اتفق طرفا التَحكيم على إنهاء التحكيم.
  2.  إذا ترك المُدّعي خُصومة التحكيم، ما لم تُقرّر هيئة التَحكيم بُناءً على طلب المُدّعى عليه أن له مَصلَحةٍ جدّيّة في استمرار الإجراءات حتى يُحسَم النزاع.
  3. إذا رأت هيئة التَحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى استمرار إجراءات التَحكيم أو استحالته.
  4. صدور أمر بإنهاء إجراءات التحكيم وفقاً لحكم الفقرة (1) من المادة ( الرابعة والثلاثون ) من هذا النظام

 2- لا تنتهي إجراءات التَحكيم بمُوتِ أحد طرفيّ التَحكيم، أو فَقدِ أهليّته -ما لم يتّفق من له صفة في النزاع مع الطرف الآخر على انتهائه- ولكن يمتّد الميعاد المُحدّد للتَحكيم ثلاثين يومًا، ما لم تقرّر هيئة التَحكيم تمديد المُدّة مُدّة مُماثِلة، أو يتّفق طرفا التَحكيم على غير ذلك.

  3- مع مُراعاة أحكام المواد (التاسعة والأربعين) (والخمسين) (والحاديّة والخمسين) من هذا النظام، تنتهي مهمة هيئة التَحكيم بانتهاء إجراءات التحكيم."

ثانيا : ميعاد صدور الحكم

يجب أن يصدر الحكم خلال الموعد المحدد لإصداره ما لم يتم تمديده لفترة او لفترات أخرى وفي هذه الحالة أيضاً يجب أن يصدر الحكم في موعده الجديد , وقد حدد نظام التحكيم كيفية تحديد ميعاد صدور الحكم , كما حدد الحالات التي يجوز فيها تمديد ميعاد صدور الحكم وقد بينت المادة (40) فقرة (1) من نظام التحكيم أن يتفق أطراف الخصومة على تحديد ميعاد صدور الحكم ويجب أن تتضمن وثيقة التحكيم هذا الميعاد وقد نصت على أنه 1- على هيئة التَحكيم إصدار الحُكم المُنهي للخُصومة كُلها خلال الميعاد الذي اتّفَق عليه طرفا التحكيم، فإن لم يكن هناك اتّفاق وَجب أن يَصدر الحُكم خلال اثني عشر شهراً من تاريخ بدء إجراءات التَحكيم.

وقد أجاز النظام إمكانية تمديد ميعاد صدور الحكم في حالات معينة , وبغض النظر عن الكيفية التي تم بها تحديد ميعاد إصداره , وبناء عليه يمدد ميعاد صدور الحكم في الحالات الآتية :-

أ . وفاة أحد الخصوم

اتخذ نظام التحكيم اتجاهاً مشابها لأغلب أنظمة التحكيم العربية عندما لم يجعل من وفاة أحد الخصوم سبباً لانقضاء التحكيم حيث نصت المادة الحاديّة والأربعون فقرة (2) على أنه " لا تنتهي إجراءات التَحكيم بمُوتِ أحد طرفيّ التَحكيم، أو فَقدِ أهليّته -ما لم يتّفق من له صفة في النزاع مع الطرف الآخر على انتهائه- ولكن يمتّد الميعاد المُحدّد للتَحكيم ثلاثين يومًا، ما لم تقرّر هيئة التَحكيم تمديد المُدّة مُدّة مُماثِلة، أو يتّفق طرفا التَحكيم على غير ذلك " و هذه المدة تعتبر حد ادني لمد ميعاد صدور الحكم , لأن نفس المادة اعطت المحكمين سلطة تقديرية بمد ميعاد صدور الحكم إلى اكثر من شهر .

ب.زوال صفة المحكم

نصت المادّة الأربعون فقرة (4) على أنه " إذا عُيّن مُحكّم بدلًا من مُحكّم وفقًا لأحكام هذا النظام، امتدّ الميعاد المُحدّد للحُكم ثلاثين يومًا" .

ويقرر هذا النص مد الميعاد المحدد بصدور الحكم لمدة ثلاثين يوماً في حالة زوال صفة المحكم عنه لأي سبب حيث يمتد الميعاد المحدد لصدور الحكم ثلاثين يوماً من تاريخ تعيين محكم آخر يحل محل المحكم الذي زالت صفته وتطبق هنا نفس القاعدة التي رأيناها بخصوص الكيفية التي يتم بها التمديد في حالة وفاة أحد الخصوم , وإذا كان المحكم لا يقيم في نفس المكان الذي ينظر فيه النزاع فيجب أن يضاف إلى الميعاد ميعاد المسافة ويتم تحديده بناء على قرب أو بعد موطن المحكم الذي تم إشعاره فيه باختياره محكماً وبين المكان الذي ينظر فيه النزاع [11] وما تجدر الإشارة إليه أن قواعد التمديد السابقة لا تنطبق في حالة مرض المحكم او غيابه لأي سبب آخر , وذلك لأن مثل هذا الغياب لا تزول معه صفة المحكم.[12]

ج- التمديد بناءً على رغبة المحكم

يتم تمديد ميعاد صدور الحكم أيضا بناء على رغبة المحكمين وقد اجازت لهم ذلك المادة (40) حيث نصت فقرتها (2) على أنه  يجوز لهيئة التَحكيم-في جميع الأحوال- أن تقرّر زيادة مُدّة التَحكيم على ألا تتجاوز هذه الزيادة ستة أشهر، ما لم يتَّفِق طرفا التَحكيم على مُدّة تزيد على ذلك.[13]

وليس هناك معيار ثابت يمكن من خلاله تحديد الحالات التي يجوز للمحكمين فيها تأجيل ميعاد صدور الحكم , وبناء عليه يجب ألا تكون هذه الحالات من الحالات التي يمد فيها صدور الحكم بقوة القانون كما يجب ألا تكون هذه الحالات من الحالات التي لا يجيز فيها القانون مد الميعاد المحدد لصدور الحكم , وعلى سبيل المثال فإن المحكمين ليس لهم تمديد ميعاد صدور الحكم عند قيامهم بإصدار قرارهم باتخاذ إجراء من الإجراءات الإثبات , وبناء عليه إذا أصدر المحكم أو رئيس هيئة التحكيم قراره بإجراء المعاينة فإنه لا يجوز في هذه الحالة إصدار قرار آخر بمد الميعاد المحدد لصدور الحكم , بالقدر الذي تستغرقه عملية إجراء المعاينة من وقت فمثل هذه الحالات لم يجز النظام فيها أن يمد ميعاد صدور الحكم , ولكن بالمقابل في هذه الحالة يكون للمحكم وحده او لهيئة التحكيم بالأغلبية ان يصدروا قرارهم بتمديد ميعاد صدور الحكم بسبب طول الوقت الذي استغرقته عملية المعاينة والتي يجب أن يكون إجراؤها ضروريا ولازما لإنهاء الفصل في النزاع [14]فمثل هذا التمديد هو الذي يكون بناء على رغبة المحكمين .

وفي جميع الأحوال ومتى ما تم تمديد موعد إصدار الحكم , فيجب على المحكمين أن ينهوا عملية النزاع في الوقت الجديد الذي تم تحديده , وإلا سرت على هذا الحكم نفس الآثار التي رتبها النظام في حالة عدم صدور الحكم في الموعد المحدد .

د-الفصل في مسألة أولية عارضة تخرج عن ولاية المحكم

يتم تمديد ميعاد صدور الحكم في حالة ظهور نزاع في موضوع مرتبط ارتباطا وثيق الصلة بموضوع النزاع المطروح على المحكمين , بحيث لا يمكن ان يتم الفصل في هذا الأخير إلا بعد أن يتم الفصل في النزاع العارض والذي لا يكون للمحكمين صلاحية الفصل فيه [15] , وهذه القاعدة أرستها المادة (37) من نظام التحكيم حيث نصت على أنه" إذا عُرضت خلال إجراءات التَحكيم مَسألة تخرج عن ولايّة هيئة التحكيم، أو طُعِن بالتزوير في مُستَنَدٍ قُدّم لها، أو اتّخِذّت إجراءات جِنائيّةٍ عن تزويره، أو عن فعلٍ جنائيٍ آخر، كان لهيئة التَحكيم الاستمرار في نظر موضوع النزاع، إذا رأت أن الفصل في هذه المسألة، أو في تزوير المُستَنَد أو في الفِعل الجِنائي الآخر، ليس لازماً للفصل في موضوع النزاع، وإلا أوقِفَت الإجراءات حتى يَصدر حُكمٌ نهائي في هذا الشأن، ويترتّب على ذلك وقف سريان الميعاد المُحدّد لإصدار حُكم التَحكيم" .

هـ - اتفاق الخصوم على التمديد

 أعطت المادة (40) من نظام التحكيم الخصوم إمكانية الاتفاق على تحديد ميعاد صدور الحكم فقد نصت على انه " 1- على هيئة التَحكيم إصدار الحُكم المُنهي للخُصومة كُلها خلال الميعاد الذي اتّفَق عليه طرفا التحكيم ، فإن لم يكن هناك اتّفاق وَجب أن يَصدر الحُكم خلال اثني عشر شهراً من تاريخ بدء إجراءات التَحكيم. 2- يجوز لهيئة التَحكيم-في جميع الأحوال- أن تقرّر زيادة مُدّة التَحكيم على ألا تتجاوز هذه الزيادة ستة أشهر، ما لم يتَّفِق طرفا التَحكيم على مُدّة تزيد على ذلك.

وبذلك يكون هذا النص قد أخذ في الاعتبار كون التحكيم اتفاق التحكيم من العقود الرضائية , فقد رأينا أن المحكم يستمد سلطاته من إرادة الخصوم أساساً ومتى ما منحته هذه الإرادة سلطة الفصل في النزاع فإنه يلتزم بما نص عليه نظام التحكيم فيما يتعلق بممارسته للسلطات الممنوحة إليه من قبل أطراف النزاع وإرادة الخصوم التي منحت المحكم سلطات الفصل في النزاع يكون لها الحق ان تلغي هذه السلطات في أي وقت وبما ان لها ذلك فمن باب أولى أن يكون لها حق تعديل بعض تلك السلطات الممنوحة مادام النظام لم يمنع ذلك .[16]

ثالثاً : بيانات الحكم

اوجب نظام التحكيم أن يحتوي الحكم على بيانات معينة فقد نصت المادّة (42) على أنه :"

1-  يصدر حكم التحكيم كتابة ويكون مسببًا ، ويوقعه المحكمون ، وفي حالة تشكيل هيئة التحكيم من أكثر من محكم واحد يُكتفى بتوقيعات أغلبية المحكمين بشرط أن يثبت في محضر القضية أسباب عدم توقيع الأقلية.

2-  يجب أن يشتمل حكم التحكيم على تاريخ النطق به ومكان إصداره ، وأسماء الخصوم ، وعناوينهم ، وأسماء المحكمين ، وعناوينهم ، وجنسياتهم ، وصفاتهم ، وملخص اتفاق التحكيم ، وملخص لأقوال وطلبات طرفي التحكيم ، ومرافعتهم ، ومستنداتهم ، وملخص تقرير الخبرة -إن وجد- ومنطوق الحكم ، وتحديد أتعاب المحكمين ، ونفقات التحكيم ، وكيفية توزيعها بين الطرفين،دون إخلال بما قضت به ( المادة الرابعة والعشرون)  من هذا النظام." وبناءً عليه يجب أن يتضمن الحكم هذه البيانات وإلا أصبح باطلاً .

ويتضح من البيانات التي يجب توافرها في الحكم , وجوب أن يكون الحكم مكتوباً في ورقة فلا يصح أن يكون شفهياً وهذه قاعدة ثابتة وليست محلاً لأي شك , كما نصت المادّة الرابعة والأربعون على أنه " :تودع هيئة التَحكيم أصل الحُكم، أو صورة موقّعة منه باللُغةِ التي صدر بها لدى المَحكَمةِ المُختصّة وذلك خلال المُدّة المنَصوص عليها في الفَقّرة (1) من المادّة (الثالثة والأربعين) من هذا النظام، مع ترجَمة باللُغةِ العربيّة مُصدّق عليها من جِهة مُعتَمَدة إذا كان صادرًا بلُغةٍ أجنبيّة.

فاللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد وبالتالي يجب أن تكون لغة التقاضي بأنواعه ودرجاته المختلفة [17] كما نصت عليه المادة التاسعة والعشرون الفقرة(1) على أنه " يجوز التحكيم باللغة العربية مالم تقرر هيئة التحكيم أو يتفق طرفا التحكيم على لغة أو لغات أخرى ويسرى حكم الاتفاق أو القرار على لغة البينات والمذكرات المكتوبة ، والمرافعات الشفوية وكذلك على كل قرار تتخذه هيئة التحكيم أو رسالة توجهها أو حكم تصدره مالم ينص إتفاق الطرفان أو قرار هيئة التحكيم على ذلك " وبذلك تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية للتحكيم إلا إذا قررت هيئة التحكيم أو طرفاه لغة أو لغات أخرى غير اللغة العربية .

كما يجب أن تتوافر فيه البيانات التالية :-

1-يجب أن يذكر في الحكم ماتم الاتفاق عليه في وثيقة التحكيم وذلك بنقل ما نص عليه حرفيا في وثيقة التحكيم وتضمينه الحكم .

2-ملخص عن المستندات التي قدمها الخصوم .

3-أسماء المحكمين وأتعابهم وصفاتهم وموطن كل منهم .

4-حضور الخصوم وغيابهم .

5-ملخص أقوال الخصوم .

6-عرض مجمل لوقائع الدعوى .

7-عرض لطلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم .

8-أسباب الحكم .

9-منطوق الحكم .

10-تاريخ صدور الحكم .

11-توقيعات المحكمين والكاتب على نسخة الحكم الأصلية .

12-إثبات واقعة امتناع أحد المحكمين عن توقيع الحكم .

رابعا: النطق بالحكم

يعتبر النطق بالحكم آخر مرحلة من مراحل إصدار الحكم , ويتم في الجلسة المحددة لهذا الغرض وبحضور المحتكمين أو من ينوب عنهم , وضرورة النطق بالحكم نصت عليه  المادة الثالثة والثلاثون فقرة (2) من نظام التحكيم حيث نصت على أنه " يجب إبلاغ طرفيّ التَحكيم على عناوينهم الثابتة لدى هيئة التَحكيم بمُوعدِ أي جَلسةِ مُرافعةٍ شَفهيّة، ومُوعدِ النُطق بالحُكم، وأي اجتماعٍ لهيئة التَحكيم لأغراض مُعاينة مَحِل النزاع، أو مُمتَلَكات أخرى، أو لفحص مُستَنَدات، وذلك قبل الانعقاد بوقتٍ كافٍ"

كما نصت المادّة (الثانيّة والأربعون) فقرة (2) يجب أن يشتمل حُكم التَحكيم على تاريخ النُطق به .... "

 وما تجدر الإشارة إليه أن حضور الخصوم أو وكلائهم لجلسة النطق بالحكم لا يعتبر شرطاً أساسياً لازماً لصحة الحكم متى ما كان قد تم إبلاغهم بموعد جلسة النطق بالحكم وفقا للشكل والكيفية الصحيحين للإخطار.[18]

إعداد المحامي حسام العريان 

[1] د.محمد بن ناصر البجاد، التحكيم في المملكة العربية السعودية ص 201 بدون دار نشر

[2] المستشار القانوني /محفوظ بن مرعي بن محفوظ ، التحكيم التجاري الدولي وقواعد الشريعة الإسلامية (ص:220-232) , نظام التحكيم السعودي ولائحته التنفيذية الصادر عن الغرفة التجارية الصناعية –الرياض  ص (38)

[3] انظر نبيل عمر فكرة الحكم القضائي 2000 ص (8) وما بعدها دار الجامعة الجديدة –أحمد صادق-التحكيم ص (255) 

[4] راجع حفيظة حداد المرجع السابق ص(20, 22) أبو الوفا – نظرية الأحكام ط 60 سنة 1985م ص 150

[5] د.نبيل عمر بحث عن الرقابة عن دستورية نصوص التحكيم لسنة 2003 ص( 167 :169 ) .

[6] د.عبدالحميد المنشاوي :التحكيم الدولي والداخلي ص(130 ) .

[7] عبدالحميد المنشاوي مرجع سابق ص 130

[8] المادة 38 من نظام التحكيم

[9] المادة 39 من نظام التحكيم

[10] المادة التاسعة والثلاثون الفقرة (5) من نظام التحكيم الجديد

[11] أحمد أبو الوفا مرجع سابق ص 193

[12] أحمد أبو الوفا مرجع سابق ص 195

[13] د البجاد ، مرجع سابق ص 214

[14] أحمد أبو الوفا مرجع سابق ص 193

[15] أحمد المؤمني ممرجع سابق ص 297 , د.أحمد أبوالوفا مرجع سابق 198 . د. إدوارد عيد ، مرجع سابق ص 294

[16] د البجاد ، مرجع سابق ص 216

[17] وهذه القاعدة تعتبر من المباديء الأساسية للتقاضي , وقد نصت المادة 36 من نظام القضاء القديم الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/64وتاريخ17/07/1395هـــ  على ان  اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمحاكم على أنه يجوز للمحكمة ان تسمع أقوال الخصوم أو الشهود  الذين يجهلون اللغة العربية عن طريق مترجم . والمادة 2/1 من اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية الصادر بقرار وزير العدل رقم 3285 وتاريخ 15/3/1428هـــ والتي تنص على أن اللغة الغربية هي اللغة الرسمية للمحاكم وغيرها من اللغات يترجم إليها .

[18] د البجاد ، المرجع السابق ص 222